115 -ثم بين وظيفة الرسول، فقال: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) } ؛ أي: ما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين وزجرهم عن الكفر والمعاصي، سواء كانوا من الأعزاء أو الأذلاء، فكيف يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء، والمعنى أي: إنما بعثت منذرًا ومخوفًا بأس الله وشديد عذابه، فمن أطاعني كان مني وأنا منه، شريفًا كان أو وضيعًا، جليلًا كان أو حقيرًا.
116 -ولما أجابهم بهذا الجواب وأيسوا مما راموا .. لجؤوا إلى التهديد، كما بينه بقوله: {قَالُوا} ؛ أي: قال قوم نوح له: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ} عما تدعو إليه من التوحيد، وعما تقول من الطعن في آلهتنا {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} ؛ أي: من المقتولين بالحجارة أقبح قتلة، قالوا ذلك - قاتلهم الله - في أواخر الأمر؛ أي: لنرجمنك بالحجارة ولنقتلنك بها إن لم تترك عيب ديننا وسب آلهتنا.
117 -ولما طال مقامه بين ظهرانيهم يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وإعلانًا، وكلما كرر عليهم الدعوة صموا آذانهم وصمموا على تكذيبه، وتمادوا في عتوهم واستكبارهم .. استغاث بربه وطلب منه أن يحكم بينه وبينهم، وأن يهلكهم كما أهلك المكذبين من قبلهم لرسولهم، وينجيه والمؤمنين به، كما بينه بقوله: {قَالَ} نوح: يا {رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} ؛ أي: أصروا على التكذيب بعدما دعوتهم هذه الأزمنة المتطاولة، ولم يزدهم دعائي إلا فرارًا
118 - {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} ؛ أي: احكم بيني وبينهم حكمًا عدلًا؛ أي: احكم بيننا بما يستحقه كل واحد منا من الفتاحة؛ وهي الحكومة؛ أي: إن قومي كذبوني فيما أتيتهم به من الحق من عندك فاحكم بيني وبينهم حكمًا تهلك به المبطل، وتنتقم منه، وتنصر به الحق وأهله، وجاء في آية أخرى {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) } قال ابن الشيخ: أراد به الحكم بإنزال العقوبة عليهم؛ لقوله عقبه: {وَنَجِّنِي} ؛ أي: خلصني {وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ؛ أي: من العذاب، ومن إذاية الكفار، وكان المؤمنون ثمانين من الرجال، وأربعين من النساء.