-فقوله تعالى في فاتحة السورة: {طسم} يقال فيه ما قيل في مغزى بقية الحروف الهجائية المقطعة، التي يأتي بعدها مباشرة ذكر"كتاب الله"تصريحا أو تلويحا، وكأن لسان حالها يقول: هذه الحروف التي تجري على ألسنتكم بكلام عادي باهت هي التي نفخ الله فيها من روحه، فتحولت إلى كلام إلهي معجز لا قبل لكم بمثله، فكيف لا تدركون الفرق بين كلامكم وكلام الله {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} .
-وقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} إشفاق من الله على رسوله، وإشارة إلى ما كان يعتري الرسول عليه الصلاة والسلام من هم وغم، وحزن وكمد، عندما يدعو قومه فلا يستجيب لدعوته إلا فريق قليل منهم، ويظل الفريق الآخر على كفره وعناده، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام مثابر على دعوتهم وإرشادهم، حريص على هدايتهم وإسعادهم، وهذا
الخطاب الذي خاطبه به ربه هنا يماثله في معناه قوله تعالى في سورة الكهف: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] . ويوضح مغزاه قوله تعالى في سورة فاطر: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} الآية 8 وقوله تعالى في سورة لقمان: {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الآية: 23] .