(وأزلفنا ثَمَّ الآخرين) أي قربناهم إلى البحر قاله ابن عباس، قال أبو عبيدة أزلفنا جمعنا، ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع، وثَمَّ ظرف مكان للبعيد، وقيل: قربنا من النجاة وقرئ (زلفنا) ثلاثياً، وقرئ (أزلقنا) أي أزللنا وأهلكنا، من قولهم، أزلقت الفرس إذا ألقت ولدها، ويعني بالآخرين فرعون وقومه وقيل، المراد بهم موسى وأصحابه والأول أولى.
قيل: كان جبريل بين بني إسرائيل وبين قوم فرعون. يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم أولكم، ويقول للقبط رويداً ليلحق آخركم أولكم فكان بنو إسرائيل يقولون ما رأينا أحسن سياسة من هذا الرجل، وكان القبط يقولون ما رأينا أحسن داع من هذا!.
(وأنجينا موسى ومن معه أجمعين) بمرورهم في البحر بعد أن جعله الله طرقاً يمشون فيها
(ثم أغرقنا الآخرين) يعني فرعون وقومه، أغرقهم الله بإطباق البحر عليهم، بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه، وخرج بنو إسرائيل منه، وفيه إبطال القول بتأثير الكواكب في الآجال وغيرها من الحوادث، فإنهم اجتمعوا في الهلاك مع اختلاف طوالعهم.
(إن في ذلك) أي فيما صدر بين موسى وفرعون إلى هذه الغاية (لآية) عبرة عظيمة وقدرة باهرة من أدل العلامات على قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه لمن بعدهم.
(وما كان أكثرهم) أي أكثر هؤلاء الذين مع فرعون (مؤمنين) بالله فإنه لم يؤمن منهم فيما بعد إلا القليل كحزقيل وابنته، وآسية امرأة فرعون، والعجوز التي دلت على قبر يوسف وليس المراد أكثر من كان مع فرعون عند لحاقه بوسى، فإنهم هلكوا جميعاً في البحر، بل المراد من كان معه من الأصل، ومن كان متابعاً له، ومنتسباً إليه، هذا غاية ما يمكن أن يقال.
وقال سيبويه وغيره: إنّ (كان) زائدة، وأنّ المراد الإخبار عن المشركين بعد ما سمعوا الموعظة.
(وإنّ ربك لهو العزيز) أي المنتقم من أعدائه بإغراقهم (الرحيم) بأوليائه بإنجائهم.