وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)
والمراد بالفِعْلة قتل موسى عليه السلام للرجل الذي وكزه فمات {وَأَنتَ مِنَ الكافرين} [الشعراء: 19] يصح من الكافرين بألوهية فرعون ، أو من الجاحدين لنعمنا عليك وتربيتنا لك .
لذلك العقلاء يروْنَ أن الإنسان حين يربي الأولاد ويراهم كما يحب ، فليعلم أنه توفيق وعناية من الله تعالى ، بدليل أن الأبناء يُربَّون في بيئة واحدة ، وربما كانا توأميْن ، ومع ذلك ترى أحدهما صالحاً والآخر طالحاً ، فالمسألة عناية إلهية عليا ، وقد التقط أحد الشعراء هذا المعنى فقال:
إِذَا لَمْ تُصاَدِفَ في بَنيكَ عِنَايةً ... فقَدْ كذَبَ الراجي وخَابَ المؤَمَّلُ
فمُوسى الذِي رَبَّاه جِبْريلُ كَافِرٌ ... ومُوسَى الذي رَبَّاهُ فِرْعَونُ مُرْسَلُ
والمراد موسى السامري صاحب العجل ، وقد وضعته أمه في صحراء وماتت ، فأرسل الله إليه جبريل عليه السلام يرعاه ويُربِّيه . ولا تأتي هذه المفارقات إلا بعناية الله سبحانه .
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)
يقول موسى عليه السلام: أنا لا أنكر أنني قتلتُ ، لكنني قتلتُ وأنا من الضالين . يعني: الجاهلين بما يترتب على عملية القتل ، وما كنت أعتقدُ أبداً أن هذه الوَكْزة ستقضي على الرجل .
فكلمة {الضالين} [الشعراء: 20] هنا لا تعني عدم الهدى ، فمن هذا المعنى للضلال قولهم: ضَلَّ الطريق ، وهو لم يتعمد أن يضل ، إنما تاه رَغْماً عنه .
ومنه قوله تعالى في الشهادة: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} [البقرة: 282] .
وقوله تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى} [الضحى: 7] أي: متحيراً بين الباطل الذي يمارسه قومه ، وبين الحق الذي لا يجد له بينة .