إذن: فتلوين الأساليب في القصص القرآني يشرح لقطاتٍ مختلفة من القصة ، ويُوضِّح بعض جوانبها ، وإنْ بدا هذا تكراراً في المعنى الإجمالي ، وهذا واضح في وقوله تعالى في أول قصة موسى عليه السلام: {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وحَزَناً} [القصص: 8] .
وفي أية أخرى يقول تعالى على لسان امرأة فرعون: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} [القصص: 9] وكأن الله تعالى يقول: ستأخذونه ليكون قُرَّة عين لكم ، إنما هو سيكون عدواً .
والله تعالى يقول: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] ففرعون في حين كان يقتل الأطفال من بني إسرائيل ، ويستحيي البنات ، جاءه هذا الطفل بهذه الطريقة اللافتة للنظر ، فكان عليهم أنْ يفهموا أن مَنْ أُلقِي في التابتوت وفي اليمِّ بافتعال ، هو بهدف نجاته من القتل ، فلو كان فرعون إلهاً ، فكيف مرّت عليه هذه الحيلة وجازتْ عليه؟
وهذا يدل على أن الله تعالى إذا أراد إنفاذ أمر سلب من ذوي العقول عقولهم ، وحال بين المرء وقلبه ، ويدل على غباء قومه ؛ لأنهم لو تأملوا هذه المسألة لظهر لهم كذب فرعون في ادعائه الألوهية .
فكان ردّ فرعون على موسى عليه السلام: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً}
يريد فرعون أنْ يُذكِّر موسى بما كان من أمر تربيته في بيته لعدة سنوات ، حتى شَبَّ وكبر ، وكأنه يُوبِّخه كيف يقف منه هذا الموقف العدائي بعدما كان منه .
{وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء: 18] ويقال: إن موسى لبث في بيت فرعون حتى سِنِّ الثامنة عشرة ، أو سِنِّ الثلاثين ، فالمعنى أنه ربَّاه ولبث معه أيضاً عدة سنوات .
والمتأمل في هذه الحجة التي يظنها فرعون لصالحه يجد أنها ضده ، وأنها تكشف عن غبائه ، فلو كان إلهاً كما يدعي لعرف أن هلاكه سيكون على يدي هذا الطفل الذي ضَمَّه إليه ورعاه .