ويَعلم موسى من إجراء وصف الظلم وعدم التقوى على قوم فرعون في معرض أمره بالذهاب إليهم أن من أول ما يبدأ به دعوتَهم أن يدعوهم إلى ترك الظلم وإلى التقوى.
وذكر موسى تقدم عند قوله تعالى: {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} في سورة البقرة (51) .
وتقدمت ترجمة فرعون عند قوله تعالى: {إلى فرعون وملائه} في الأعراف (103) .
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12)
افتتاح مراجعته بنداء الله بوصف الربّ مضافاً إليه تحنين واستسلام.
وإنما خاف أن يكذبوه لعلمه بأن مثل هذه الرسالة لا يتلقاها المرسَل إليهم إلا بالتكذيب ، وجَعَل نفسه خائفاً من التكذيب لأنه لما خلعت عليه الرسالة عن الله وَقَر في صدره الحرص على نجاح رسالته فكان تكذيبه فيها مخوفاً منه.
و {يضيق صدري} قرأه الجمهور بالرفع فهو عطف على {أخاف} أو تكون الواو للحال فتكون حالاً مقدرة ، أي والحال يضيق ساعتئذ صدري من عدم اهتدائهم.
والضَيق: ضد السعة ، وهو هنا مستعار للغضب والكمد لأن من يعتريه ذلك يحصل له انفعال وينشأ عنه انضغاط الأعصاب في الصدر والقلب من تأثير الإدراك الخاص على جمع الأعصاب الكائن بالدماغ الذي هو المُدرك فيحس بشبه امتلاء في الصدر.
وقد تقدم عند قوله تعالى: {يجعلُ صدرَه ضيّقاً حرجاً} [الأنعام: 125] وقوله: {وضائق به صدرُك} في سورة هود (12) .
والمعنى: أنه يأسف ويكمد لتكذيبهم إياه ويجيش في نفسه روم إقناعهم بصدقه ، وتلك الخواطر إذا خطرت في العقل نشأ منها إعداد البراهين ، وفي ذلك الإعداد تكلّف وتعب للفكر فإذا أبانها أحس بارتياح وبشبه السعة في الصدر فسمى ذلك شرحاً للصدر ، ولذلك سأله موسى في الآية الأخرى قال: {ربّ اشرح لي صدري} [طه: 25] .
والانطلاق حقيقته مطاوع أطلقه إذا أرسله ولم يحبسه فهو حقيقة في الذهاب.