فالمعنى: اعبدوا الله الذي تركتم عبادته وهو إلهكم دون غيره فلا يستحق غيرُه العبادة فلا تعبدوا أصنامكم معه.
و {غيرهُ} نعت ل {إله} .
قرأه الجمهور بالرفع على اعتبار محل المنعوت بـ (غير) لأن المنعوت مجرور بحرف جر زائد ، وقرأه الكسائي بالجر على اعتبار اللفظ المجرور بالحرف الزائد.
وفرع على الأمر بإفراده بالعبادة استفهامُ إنكار على عدم اتقائهم عذاب الله تعالى.
وقد خولفت في حكاية جواب الملإ من قومه الطريقة المألوفة في القرآن في حكاية المحاورات وهي ترك العطف التي جرى عليها قوله: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} في سورة البقرة (30) .
فعطف هنا جواب الملإ من قومه بالفاء لوجهين:
أحدهما: أنهم لم يوجهوا الكلام إليه بل تركوه وأقبلوا على قومهم يفندون لهم ما دعاهم إليه نوح.
والثاني: ليُفاد أنهم أسرعوا بتكذيبه وتزييف دعوته قبل النظر.
ووصفُ الملإ بأنهم الذين كفروا للإيماء إلى أن كفرهم هو الذي أنطقهم بهذا الرد على نوح ، وهو تعريض بأن مثل ذلك الرد لا نُهوض له ولكنهم روّجُوا به كفرهم خشية على زوال سيادتهم.
وقوله: {من قومه} صفة ثانية.
وقول الملأ من قومه: {ما هذا إلاّ بشر مثلكم} خاطب به بعْضُهُم بعضاً إذ الملأ هم القوم ذوو السيادة والشَّارة ، أي فقال عظماء القوم لعامتهم.
وإخبارهم بأنه بشر مثلهم مستعمل كناية عن تكذيبه في دعوى الرسالة بدليلٍ من ذاته ، أوهموهم أن المساواة في البشرية مانعة من الوساطة بين الله وبين خلقه ، وهذا من الأوهام التي أضلت أمما كثيرة.
واسم الإشارة منصرف إلى نوح وهو يقتضي أن كلام الملإ وقع بحضرة نوح في وقت دعوته ، فعدلوا من اسمه العلم إلى الإشارة لأن مقصودهم تصغير أمره وتحقيره لدى عامتهم كيلا يتقبلوا قوله ، وقد تقدم نظير هذا في سورة هود.