وجعلنا الماء إذا نزل من السحاب يستقر في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية له، فيتغذى به ما فيها من الحب والنوى، ومنه تنبع الأنهار والآبار.
وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ أي ولو شئنا إزالته وتصريفه عنكم وتغويره لفعلنا، كما أنا قادرون على إنزاله. وكذلك لو شئنا لجعلناه ملحا أجاجا لا ينتفع به في الشرب والسقي، ولو شئنا ألا يمطر السحاب لفعلنا، ولو شئنا أن يبقى على سطح الأرض لفعلنا، ولكن لرحمتنا ولطفنا بكم أسكناه في الأرض بمثابة خزانات، لتأخذوا منه عند الحاجة، وتسقوا به زرعكم وثماركم وأنفسكم ودوابكم، وتنتفعوا به بسائر وجوه الانتفاع من غسل وتطهر وتنظيف وتبرد ونحو ذلك.
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ أي فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء جنات أي بساتين وحدائق ذات بهجة أي ذات منظر حسن، وفيها النخيل والأعناب، وهذا أغلب فواكه العرب.
لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي لكم في الجنات فواكه متنوعة كثيرة، من جميع الثمار، عدا النخيل والأعناب، وتأكلون من ثمار الجنات وتنتفعون بها، وترزقون وتتعيشون.
وقوله: وَمِنْها تَأْكُلُونَ كأنه معطوف على شيء مقدر، تقديره:
تنظرون إلى حسنه ونضجه، ومنه تأكلون.
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ .. أي وأنشأنا لكم شجرة الزيتون التي تنبت في جبل الطور، وتأتي بالدهن وهو الزيت، وتتخذ إداما ينتفع به الآكلون بالدهن والاصطباغ.
روى الإمام أحمد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كلوا الزيت وادّهنوا به، فإنه من شجرة مباركة» ورواه الترمذي عن عمر رضي الله عنه.
أحوال الأنعام:
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً أي وإن لكم أيها الناس في خلق الإبل والبقرة والغنم وما فيها من المنافع لعظة تعتبرون بها ونعمة تستحق الشكر والتقدير والاستدلال على قدرة الله تعالى، بتحويل الدم المتولد من الغداء في الغدد إلى لبن طيب سائغ شرابه، كامل التغذية. وتلك المنافع كثيرة ذكر منها هنا أربعة أنواع هي: