قَالُوا: وَلِأَنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ، وَأَمَّا حَقَائِقُ الْإِيمَانِ الْبَاطِنَةُ فَتِلْكَ عَلَيْهَا شَرَائِعُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَلِلَّهِ تَعَالَى حُكْمَانِ: حُكْمٌ فِي الدُّنْيَا عَلَى الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ وَأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَحُكْمٌ فِي الْآخِرَةِ عَلَى الظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنِ، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ عَلَانِيَةَ الْمُنَافِقِينَ، وَيَكِلُ أَسْرَارَهُمْ إِلَى اللَّهِ فَيُنَاكِحُونَ، وَيَرِثُونَ وَيُورَثُونَ، وَيُعْتَدُّ بِصَلَاتِهِمْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَلَا يَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ تَارِكِ الصَّلَاةِ، إِذْ قَدْ أَتَوْا بِصُورَتِهَا الظَّاهِرَةِ، وَأَحْكَامُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَيْسَتْ إِلَى الْبَشَرِ، بَلْ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّاهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
نَعَمْ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ هَذِهِ الصَّلَاةِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ عَاجِلًا وَلَا آجِلًا، فَإِنَّ لِلصَّلَاةِ مَزِيدَ ثَوَابٍ عَاجِلٍ فِي الْقَلْبِ مِنْ قُوَّةِ إِيمَانِهِ، وَاسْتِنَارَتِهِ، وَانْشِرَاحِهِ وَانْفِسَاحِهِ وَوُجُودِ حَلَاوَةِ الْعِبَادَةِ، وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَاللَّذَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ لِمَنِ اجْتَمَعَ هَمُّهُ وَقَلْبُهُ عَلَى اللَّهِ، وَحَضَرَ قَلْبُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا يَحْصُلُ لِمَنْ قَرَّبَهُ السُّلْطَانُ مِنْهُ، وَخَصَّهُ بِمُنَاجَاتِهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ.
وَكَذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لِهَذَا مِنَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الْآخِرَةِ، وَمُرَافَقَةِ الْمُقَرَّبِينَ.
كُلُّ هَذَا يَفُوتُهُ بِفَوَاتِ الْحُضُورِ وَالْخُضُوعِ، وَإِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَكُونُ مُقَامُهُمَا فِي الصَّفِّ وَاحِدًا، وَبَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي هَذَا كُلِّهِ.
فَإِنْ أَرَدْتُمْ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ لَتَحْصُلَ هَذِهِ الثَّمَرَاتُ وَالْفَوَائِدُ فَذَاكَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ أَنْ يُحَصِّلَهَا وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُفَوِّتَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِوُجُوبِهَا أَنَّا نُلْزِمُهُ بِهَا وَنُعَاقِبُهُ عَلَى تَرْكِهَا، وَنُرَتِّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامَ تَارِكِ الصَّلَاةِ فَلَا.