وَهَذَا ثَابت عَن أنس وَهُوَ أدل شَيْء على كَمَال علم الصَّحَابَة برَبهمْ وحقوقه عَلَيْهِم كَمَا أَنهم أعلم الْأمة بِنَبِيِّهِمْ وسنته وَدينه فَإِن فِي هَذَا الْأَثر من الْعلم والمعرفة مَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا أولو البصائر العارفون بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَحقه وَمن هُنَا يفهم قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْإِمَام أَحْمد من حَدِيث زيد بن ثَابت وَحُذَيْفَة وَغَيرهمَا
"إِن الله لَو عذب أهل سماواته وَأهل أرضه لعذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَلَو رَحِمهم لكَانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من أَعْمَالهم".
(فصل)
وملاك هَذَا الشَّأْن أَرْبَعَة أُمُور
نِيَّة صَحِيحَة وَقُوَّة عالية يقارنهما رَغْبَة وَرَهْبَة
فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة هِيَ قَوَاعِد هَذَا الشَّأْن وَمهما دخل على العَبْد من النَّقْص فِي إيمَانه وأحواله وَظَاهره وباطنه فَهُوَ من نُقْصَان هَذِه الْأَرْبَعَة أَو نُقْصَان بَعْضهَا
فَلْيتَأَمَّل اللبيب هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَشْيَاء وليجعلها سيره وسلوكه وَيَبْنِي عَلَيْهَا علومه وأعماله وأقواله وأحواله فَمَا نتج من نتج إِلَّا مِنْهَا وَلَا تخلف من تخلف إِلَّا من فقدها.
وَالله أعلم وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَإِلَيْهِ الرَّغْبَة وَهُوَ المسؤول بِأَن يوفقنا وَسَائِر إِخْوَاننَا من أهل السّنة لتحقيقها علما وَعَملا إِنَّه ولي ذَلِك والمان بِهِ وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل.
(فصل)
والمقبول من العمل قسمان
(أحدهما) أن يصلي العبد ويعمل سائر الطاعات وقلبه متعلق بالله عز وجل ذاكر لله عز وجل على الدوام، فأعمال هذا العبد تعرض على الله عز وجل حتى تقف قبالته فينظر الله عز وجل إليها، فإذا نظر إليها رآها خالصة لوجهه مرضية قد صدرت عن قلب سليم مخلص محب لله عز وجل متقرب إليه أحبها ورضيها وقبلها.
(والقسم الثاني) : أن يعمل العبد الأعمال على العادة والغفلة وينوي بها الطاعة والتقرب إلى الله فأركانه مشغولة بالطاعة وقلبه لاهٍ عن ذكر الله، وكذلك سائر أعماله، فإذا رفعت أعمال هذا إلى الله عز وجل لم تقف تجاهه ولا يقع نظره عليها، ولكن توضع حيث توضع دواوين الأعمال حتى تعرض عليه يوم القيامه فتميز، فيثيبه على ما كان له منها، ويرد عليه ما لم يرد وجهه به منها.