وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ إِرَاقَةُ الدَّمِ أَيَّامَ النَّحْرِ بِمِنًى؛ لِأَنَّ الْمَنَاسِكَ الَّتِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ جَادَلُوا فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ إِرَاقَةَ الدَّمِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا جَادَلُوهُ فِي إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ الَّتِي هِيَ دِمَاءُ ذَبَائِحِ الْأَنْعَامِ , بِمَا قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ. غَيْرَ أَنَّ تِلْكَ لَمْ تَكُنْ مَنَاسِكَ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ مَنَاسِكُ فَإِنَّمَا هِيَ هَدَايَا أَوْ ضَحَايَا؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا: عُنِيَ بِالْمَنْسَكِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الذَّبْحُ , الَّذِي هُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا.
وَقَوْلُهُ: {فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَا يُنَازِعُنَّكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ فِي ذَبْحِكَ وَمَنْسَكِكَ بِقَوْلِهِمْ: أَتَأْكُلُونَ مَا قَتَلْتُمْ، وَلَا تَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ الَّتِي قَتَلَهَا اللَّهُ؟ فَإِنَّكَ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُمْ، لِأَنَّكَ مُحِقٌّ وَهُمْ مُبْطِلُونَ.
وَقَوْلُهُ: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَادْعُ يَا مُحَمَّدُ مُنَازِعِيكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ فِي نُسُكِكَ وَذَبْحِكَ إِلَى اتِّبَاعِ أَمْرِ رَبِّكَ فِي ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَأْكُلُوا إِلَّا مَا ذَبَحُوهُ بَعْدَ اتِّبَاعِكَ , وَبَعْدَ التَّصْدِيقِ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَجَنَّبُوا الذَّبْحَ لِلْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ , وَتَبَرَّوْا مِنْهَا، إِنَّكَ لَعَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ غَيْرِ زَائِلٍ عَنْ مَحَجَّةِ الْحَقِّ , وَالصَّوَابِ فِي نُسُكِكَ الَّذِي جَعَلَهُ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ رَبُّكَ، وَهُمُ الضُّلَّالُ عَلَى قَصْدِ السَّبِيلِ، لِمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَمَطَاعِمِهِمْ وَعِبَادَتِهِمُ الْآلِهَةَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَإِنْ جَادَلَكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ فِي نُسُكِكَ، فَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ وَنَعْمَلُ.