ولك أن تتصور هذه الأَمَة أو الأسيرة في بيت سيدها ومعه زوجة أو أكثر وهي تشاهد هذه العلاقات الزوجية في المجتمع من حولها ، إن من حكمة الله أن أباح لسيدها معاشرتها ؛ لأنها لن ترى لربة البيت بعد ذلك مزيّة عليها ؛ لأنهما أصبحا سواء ، فإذا ما حملتْ من سيدها فقد أصبحتْ حُرَّة بولدها ، وكأن الحق سبحانه يُسيِّر الأمور تجاه العِتْق والحرية . ألاَ تراه بعد هذا يفتح باب العتق ويُعدِّد أسبابه ، فجعله أحد مصارف الزكاة وباباً من أبواب الصدقة وكفَّارة لبعض التجاوزات التي يرتكبها الإنسان .
ثم يقول سبحانه: {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6] يعني: لا نمدحهم ولا نذمُّهم ، وكأن المسألة هذه في أضيق نطاق .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك . .}
{ابتغى} : طلب ، {وَرَآءَ ذلك} : غير ما ذكرناه من الأزواج ومِلْك اليمين .
وسبق أن ذكرنا أن كلمة {وَرَآءَ} استُعمْلت في القرآن لمعَان عدة ، فهي هنا بمعنى غير الأزواج ومِلْك اليمين . ومن ذلك أيضاً قوله سبحانه: {. . وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذلكم} [النساء: 24] يعني: حرَّمْت عليكم كذا وكذا ، وأحلَلْتُ لكم غير ما ذُكِر .
وتُستعمل وراء بمعنى بَعْد ؛ لأن الغيرية قد تتحد في الزمن ، فيوجد الاثنان في وقت واحد ، أمّا البعدية فزمنها مختلف ، كما قوله تعالى: {وامرأته قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] يعني: من بعده ؛ لأن الزمن مختلف .
وتأتي وراء بمعنى: خلف ، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] يعني: جعلوه خلف ظهورهم .