وبعض السطحيين يقولون: لقد ألغى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سهام المؤلفة قلوبهم ، والحقيقة أنه ما ألغى ولا يملك أن يُلغي حكماً من أحكام الله ، إنما لم يجد أحداً من المؤلّفة قلوبهم ليعطيه ، فالحكم قائم لكن ليس له موضوع ، بدليل أن حكم تأليف القلوب قائم ومعمول به حتى الآن في بلاد المسلمين ، وكثيراً ما نحاول تأليف قلوب بعض الكُتّاب وبعض الجماعات لنعطفها نحو الإسلام ، خاصة وغيرنا يبذلون قصارى جهودهم في ذلك . إذن: فسَهْم المؤلفة قلوبهم ما زال موجوداً ويُعمل به .
كما نسمع مَنْ يقول: إن عمر - رضي الله عنه - عطَّل حَدَّ السرقة في عام الرمادة ، وهذا ادعاء مخالف للحقيقة ؛ لأنه ما عطّل هذا الحد إنما عطَّل نصاً وأحيا نصاً ؛ لأن القاعدة الشرعية تقول: ادرأوا الحدود بالشبهات . وما دام قد سرق ليسُدَّ جَوْعته فلم يصل إلى نصاب السرقة ، فالسرقة تكون بعد قدر يكفي الضرورة .
ولقائل أن يقول: إذا دارت حرب بين المؤمنين والكافرين وأسروا منا وأسرنا منهم ، ألا يوجد حينئذ مِلْك اليمينِ؟ نقول: نعم يوجد مِلْك اليمين ، لكن ستواجهك قوانين دولية ألزمتَ نفسك بها وارتضيتها تقول بمنع الرقِّ وعليك الالتزام بها ، لكن إنْ وُجِد الرقُّ فمِلْك اليمين قائم وموجود . وهذه المسألة يأخونها سُبّة في الإسلام ، وكيف أنه يبيح للسيد كذا وكذا من مِلْك يمينه .
وهذا المأخذ ناشئ عن عدم فهم هؤلاء للحكمة من مِلْك اليمين ، وأن كرامة المملوكة ارتفعت بهذه الإباحة ، فالمملوكة أُخِذت في حرب أو خلافه ، وكان في إمكان مَنْ يأخذها أن يقتلها ، لكن الحق سبحانه حمى دمها ، ونمَّى في النفس مسألة النفعية ، فأباح لمَنْ يأسرها أن ينتفع بها وأحلّها له أيضاً .