وكما أمرنا ربنا - تبارك وتعالى - بالخشوع في الصلاة أمرنا كذلك في الزكاة ، فلم يقل: مؤدون . ولكن {فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] وهذه من تربية مقامات العبادة في الإنسان ، فأنت حين تصلي ينبغي أن تخشع وتخضع في صلاتك لله ، وكذلك حين تُزكّي تُرقِّي ملكَة الخير في نفسك ، فحين تعمل وتسعى لا تعمل على قَدْر حاجتك ، وإنما على قَدْر طاقتك ، فتأخذ من ثمرة سَعْيك حاجتك ، وفي نيتك أن تُخرِج من الباقي زكاة مالك وصدقتك ، فالزكاة - إذن - في بالك وفي نيتك بدايةً .
ثم يقول الحق سبحانه: {والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ . .} .
الفروج: جمع فَرْج ، والمقصود سَوْءَتَا كُلٍّ من الرجل والمرأة ، وقد أمر الله تعالى بحفظها على المهمة التي خُلقت من أجلها ، ومهمة هذه الأعضاء إما إخراج عادم الجسم من بول أو غائط ، أو العملية الجنسية وهدفها حِفْظ النسل ، وعلى الإنسان أن يحفظ فرجه على ما أحلّه له في قوله تعالى: {إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ . .} .
أي: يحفظون فروجهم إلا على أزواجهم ؛ لأن الله أحلها {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ . .} [المؤمنون: 6] ومِلْك اليمين حلال لم يَعُد له موضع ، ولم يَعُد له وجود الآن ، وقد حرم هذا القانون البشري الدولي ، فلم يعد هناك إماء كما كان قبل الإسلام ، فهذا حكم مُعطّل لم يَعُدْ له مدلول ، وفرق بين أن يُعطّل الحكم لعدم وجود موضوعه وبين أن يُلْغى الحكم ، فمِلْك اليمين حكم لم يُلْغ ، الحكم قائم إنما لا يوجد له موضوع .
ولتوضيح هذه المسألة: هَبْ أنك في مجتمع كله أغنياء ، ليس فيهم فقير ولا مستحق للزكاة عندها تقول: حكم الزكاة مُعطّل ، فهي كفريضة موجودة ، لكن ليس لها موضوع .