وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص: {تأتهم} بالتاء على لفظ بينة، وقرأ باقي السبعة، وأبو بحرية، وابن محيصن، وطلحة، وابن أبي ليلى، وابن مناذر، وخلف، وأبو عبيدة، وابن سعدان، وابن عيسى، وابن جبير الأنطاكي {يأتهم} بالياء لمجاز تأنيث الآية، والفصل، أو لأن البينة بمعنى البيان والبرهان، وقرأ الجمهور: بإضافة {بَيِّنَةُ} إلى {مَا} وفرقة منهم أبو زيد عن أبي عمر بالتنوين و {مَا} بدل، وقرأت فرقة: بنصب {بَيِّنَةُ} والتنوين و {مَا} فاعل بـ {تَأْتِهِمْ} و {بَيِّنَةُ} نصب على الحال، فمن قرأ: {يأتهم} بالياء فعلى لفظ {مَا} ومن قرأ بالتاء راعى المعنى؛ لأنه أشياء مختلفة وعلوم من مضى، وما شاء الله، وقرأ الجمهور: {فِي الصُّحُفِ} بضم الحاء، وفرقة منهم ابن عباس بإسكانها.
134 -ثم بيَّن أنه لا عذر لهم في ترك الشرائع، وسلوك طرق الضلالة بوجه ما فقال: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ} ؛ أي: أهلكنا كفار مكة في الدنيا، أو الكفرة {بِعَذَابٍ} مستأصل {مِنْ قَبْلِهِ} متعلق بـ {أَهْلَكْنَاهُمْ} ؛ أي: من قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - أو من قبل إتيان البينة، أو من قبل إرسال الرسل {لَقَالُوا} يوم القيامة احتجاجًا واعتذارًا {رَبَّنَا} ويا مالك أمرنا {لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} ؛ أي: هلا أرسلت إلينا رسولًا يأمرنا وينهانا في الدنيا مع كتاب {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} التي أتى بها الرسول {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ} ؛ أي: من قبل أن يحصل لنا الذل والهوان في الدنيا بعذاب القتل والسبي، كما وقع يوم بدر، والذل الهوان {وَنَخْزَى} ونفتضح في الآخرة، بدخول النار.
والمعنى: ولكن ألم نهلكهم قبل إتيانها، فانقطعت معذرتهم، فعند ذلك اعترفوا و {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} .
قال في"الأسئلة المقحمة": هذا يدل على أنه يجب على الله أن يفعل ما هو الأصلح لعباده المكلفين، إذ لو لم يفعل .. لقامت لهم عليه الحجة، بأن قالوا: هلا فعلت بنا ذلك حتى نؤمن.