{ويسألونك عن الجبال فقل: ينسفها ربي نسفا ، فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا. يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ، وخشعت الأصوات للرحمن ، فلا تسمع إلا همسا. يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما. وعنت الوجوه للحي القيوم ، وقد خاب من حمل ظلما. ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضما} ..
ويتجلى المشهد الرهيب فإذا الجبال الراسية الراسخة قد نسفت نسفاً ؛ وإذا هي قاع بعد ارتفاع. قاع صفصف خال من كل نتوء ومن كل اعوجاج ، فلقد سويت الأرض فلا علو فيها ولا انخفاض..
وكأنما تسكن العاصفة بعد ذلك النسف والتسوية ؛ وتنصت الجموع المحشودة ، وتخفت كل حركة وكل نأمة ، ويستمعون الداعي إلى الموقف فيتبعون توجيهه كالقطيع صامتين مستسلمين ، لا يتلفتون ولا يتخلفون وقد كانوا يدعون إلى الهدى فيتخلفون ويعرضون ويعبر عن استسلامهم بأنهم {يتبعون الداعي لا عوج له} تنسيقاً لمشهد القلوب والأجسام مع مشهد الجبال التي لا عوج فيها ولا نتوء!
ثم يخيم الصمت الرهيب والسكون الغامر: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} .. {وعنت الوجوه للحي القيوم} ..
وهكذا يخيم الجلال على الموقف كله ، وتغمر الساحة التي لا يحدها البصر رهبة وصمت وخشوع. فالكلام همس. والسؤال تخافت. والخشوع ضاف. والوجوه عانية. وجلال الحي القيوم يغمر النفوس بالجلال الرزين. ولا شفاعة إلا لمن ارتضى الله قوله. والعلم كله لله. وهم لا يحيطون به علماً. والظالمون يحملون ظلمهم فيلقون الخيبة. والذين آمنوا مطمئنون لا يخشون ظلماً في الحساب ولا هضماً لما عملوا من صالحات.
إنه الجلال ، يغمر الجو كله ويغشاه ، في حضرة الرحمن.