وإذا كان من شيء نقوله هنا تعليقا على القصة فهو أن القصد في ضرب المثل والموعظة والتحذير والتنبيه أوضح. ثم إن فيها شيئا جديدا وهو الإشارة إلى توبة آدم عليه السلام وقبولها. ولعل في هذا على ما يتبادر ردّا على ما كان النصارى وما يزالون يعتقدونه من عقيدة تسلسل خطيئة آدم في ذريته من بعده، وعقيدة الفداء التي أرسل الله ابنه- تنزه وتقدس- ليقوم بها. فجميع بني آدم من لدن آدم إلى يوم صلب المسيح على ما يعتقده النصارى بما فيهم الأنبياء طبعا آثمون بخطيئة آدم ولم يخلصوا من هذا الإثم تجاه الله تعالى إلّا بصلب ابن الله الذي هو الله كما أراد الله تعالى وتقدس. وسورة طه قد نزلت بعد سورة مريم.
فلعل اعتراضا أو احتجاجا أو كلاما وقع بمناسبة قصة مريم في هذا الصدد فاقتضت حكمة التنزيل تضمين هذا الأمر في السورة التي تلتها على سبيل الردّ والتوضيح.
[سورة طه (20) : الآيات 128 إلى 130]
(أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى(128) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (130)
(1) أفلم يهد لهم: بمعنى أولم يتبين لهم، أو أولم يظهر لهم، أو أولم يهدهم ويقنعهم.
(2) أولي النهى: أولي العقل.
في الآية الأولى سؤال استنكاري عما إذا لم يتبين للكافرين ويعرفوا أن الله أهلك كثيرا قبلهم من القرون نتيجة لطوافهم في الأرض ومشاهدة آثارهم ومشيهم في مساكنهم حتى يظلوا على غيهم. وإن في ذلك لايات ودلائل كافية لإقناع أولي العقول والأحلام.