وللإسلام نظرته الواعية في الاقتصاديات ، فالحق يريد منك أنْ تنفق ، ويريد منك ألاَّ تُسرِف وبين هذين الحدَّيْن تسير دَفّة المجتمع ، ويدور دولاب الحياة ، فإنْ بالغتَ في حَدٍّ منهما تعطلتْ حركة الحياة ، وارتبك المجتمع وبارت السلع .
وقد أوضح الحق سبحانه هذه النظرة في قوله: {والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان: 67] .
فربُّك يريد منك أنْ تجمع بين الأمرين ؛ لأن التقتير والإمساك يُعطِّل حركة الحياة ، والإسراف يُجمِّد الحياة ويحرمك من الترقي ، والأخذ بأسباب الترف ؛ لذلك قال تعالى: {فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} [الإسراء: 29] .
وقد يكون الإسراف من ناحية أخرى: فربُّك عز وجل خلقك ، وخلق لك مُقوِّمات حياتك ، وحدَّد لك الحلال والحرام ، فإذا حاولتَ أنت أنْ تزيد في جانب الحلال مما حرمه الله عليك ، فهذا إسراف منك ، وتجاوز للحدِّ الذي حَدَّه لك ربك ، وتجاوزتَ فيما أحلَّ لك ، وفيما حرَّم عليك .
وقد يأتي الإسراف من ناحية أخرى: فالشيء في ذاته قد يكون حلالاً ، لكن أنت تأخذه من غير حِلِّة .
فإذا نقلنا المسألة إلى التكاليف وجدنا أن الله تعالى أحلَّ أشياء وحرَّم أشياء ، فلا تنقل شيئاً مما حُرِّم إلى شيء أحلَّ ، ولا شيئاً مما أُحلَّ إلى شيء حُرِّم ، كما قال سبحانه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق} [الأعراف: 32] .
وخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {يا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ} [التحريم: 1] .
إذن: فربّك لا يُضيِّق عليك ، وينهاك أنْ تُضيِّق على نفسك وتُحرّم عليها ما أحلَّ لها ، كما يلومك على أنْ تُحلِّل ما حرّم عليك لأن ذلك في صالحك .