وكما يكون الإسراف في الطعام والشراب وهما من مُقوِّمات استبقاء الحياة ، يكون كذلك في استبقاء النوع بالزواج والتناسل ، إلى أنْ تقوم الساعة ، فجعل الحق سبحانه للممارسة الجنسية حدوداً تضمن النسل والاستمتاع الحلال ، فمَنْ تعدَّى هذه الحدود فقد أسرف .
ومن رحمته تعالى أنه يغفر لِمنْ أسرف على نفسه شريطةَ أن يكون مؤمناً: {قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله} [الزمر: 53] .
وقوله تعالى: {وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} [طه: 127] فأنزل الإسراف منزلةَ تالية لعدم الإيمان ؛ لذلك قال بعدها: {وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّه} [طه: 127] لأنه حين ينقل الحلال إلى الحرام ، أو الحرام إلى الحلال ، فكأنه عطّل آيات الله .
ثم يقول تعالى: {وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى} [طه: 127] إذن: فالكلام هنا عن الدنيا ، فلا تظن أن الله يُؤخِّر للكافر كُلَّ العذاب ، فهناك أشياء تُعجِّل له في الدنيا لا تُؤخِّر .
وأول مَا لا يُؤخِّر ويُعجل الله به في الدنيا عقوبة الظلم ، فلا يمكن أنْ يموتَ الظالم قبل أن يرى المظلوم ما صنعه الله به ، وإلاّ فالذين لا يؤمنون بالقيامة ولا بالجزاء كانوا فجروا في الخَلْق وَعاثُوا في الأرض ، فمن حكمة الله أن نرى لكل ظالم مصرعاً حتى تستقيم حركة الحياة ، ولو لم يكُنْ الإنسان مؤمناً .
والحق سبحانه حين يريد أنْ يُعذِّب يتناسب تعذيبه مع قدرته تعالى ، كما أن ضربة الطفل غير ضربة الشاب القوي . إذن: مَا يناله من عذاب في الحياة هين لأنه من الناس ، أمّا عذاب الآخرة فشيء آخر ؛ لأنه عذاب من الله يتناسب مع قدرته تعالى .