أي: نعاملك كما عاملتنا ، فننساك كما نسيت آياتنا .
والآيات جمع آية ، وهي الأمر العجيب ، وتُطلق على الآيات الكونية التي تلفت إلى المكوِّن سبحانه ، وتُطلَق على المعجزات التي تؤيد الرسل ، وتثبت صِدْق بلاغهم عن الله ، وإنْ كانت الآيات الكونية تُلفِت إلى قدرة الخالق عز وجل وحكمته ، فالرسول هو الذي يدلُّ الناس على هذه القوة ، وعلى صاحب هذه الحكمة والقدرة التي يبحث عنها العقل .
أيها المؤمنون هذه القوة هي الله ، والله يريد منك كذا وكذا ، فإنْ أطعتَه فَلَك من الأجر كذا وكذا ، وإنْ عصيتَه فعقابك كذا وكذا ، ثم يؤيد الرسول بالمعجزات التي تدلُّ على صِدْقه في البلاغ عن ربه .
وتُطلَق الآيات على آيات الكتاب الحاملة للأحكام وللمنهج .
وأنت كذَّبْتَ بكل هذه الآيات ولم تلتفت إليها ، فلما نسيت آيات الله كان جزاءَك النسيان جزاءً وفَاقاً . والنسيان هنا يعني الترك ، وإلا فالنسيان الذي يقابله الذكر مُعْفىً عنه ومعذور صاحبه .
أما قوله: {وكذلك اليوم تنسى} [طه: 126] أي تُنسَى في النعيم وفي الجنة ، لكنك لا تُنسى في العقاب والجزاء .
ثم يقول الحق سبحانه: {وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ}
قوله تعالى: {كذلك} [طه: 127] أي: مثل هذا الجزاء {نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} [طه: 127] والإسراف: تجاوز الحدِّ في الأمر الذي له حَدُّ معقول ، فالأكْل مثلاً جعله الله لاستبقاء الحياة ، فإنْ زاد عن هذا الحدِّ فهو إسراف .
دَخْلك الذي يسَّره الله لك يجب أن تنفق منه في حدود ، ثم تدَّخر الباقي لترقى به في الحياة ، فإنْ أنفقتَه كله فقد أسرفْتَ ، ولن تتمكن من أن تُرقِّى نفسك في ترف الحياة .
ولذلك يقول الحق سبحانه: {إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين} [الإسراء: 27] .