ولتوضيح هذه المسألة نقول: خلق الله الثَّقليْن: الجن والإنس ، وجعلهم مختارين في كثير من الأمور ، ومقهورين في بعض الأمور ، ليثبت طلاقة قدرته تعالى في خَلْقه ، فإنْ كنتَ مختاراً في أمور التكليف وفي استطاعتك أنْ تطيع أو أنْ تعصي ، فليس من اختيارك أنْ تكون صحيحاً أو مريضاً ، طويلاً أو قصيراً ، فقيراً أو غنياً ، ليس في اختيارك أنْ تحيا أو تموت .
والحق تبارك وتعالى لا يُكلِّفك بافعل كذا ولا تفعل كذا ، إلا إذا خلقك صالحاً للفعل ولعدم الفعل ، هذا في أمور التكليف وما عداه أمور قَهْرية لا اختيارَ لك فيها هي القدريات .
لذلك نقول للذين أَلِفُوا التمرد وتعوَّدوا الخروج على أحكام الله في التكليفات: لماذا لا تتَمردوا أيضاً على القدريات ما دُمْتم قد أَلِفْتم المخالفة؟ إذن: أنت مقهور وعَبْد رَغماً عنك .
لذلك ، إذا كان المختار طائعاً يلزم نفسه بمنهج ربه ، بل ويتنازل عن اختياره لاختيار الله ، فمنزلته عند الله كبيرة ، وهي أفضل من المَلَك ، لأن المَلك يطيع وهو مرغم . ومن هنا يأتي الفرْق بين عباد وعبيد ، فالكل في القهر عبيد ، لكن العباد هم الذين تركوا اختيارهم لاختيار ربهم .
ومن هنا نقول: إن إبليس من الجن ، وليس من الملائكة ؛ لأنه أُمِر فامتنع فعُوقِب ، وإنْ كان الأمر في الأصل للملائكة .
وقد حسم القرآن هذه القضية حين قال: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وهذا نصٌّ صريح لا جدالَ حوله .
فإنْ قُلْتَ: فلماذا شمله الأمر بالسجود ، وهو ليس مَلَكاً؟
نقول: لأن إبليس قبل هذا الأمر كان طائعاً ، وقد شهد عملية خَلْق آدم ، وكان يُدْعَي"طاووس الملائكة"لأنه ألزم نفسه في الأمور الاختيارية ففاق بذلك الملائكة ، وصار يزهو عليهم ويجلس في مجلسهم ، فلما جاء الأمر للملائكة بالسجود لآدم شمله الأمر ولزمه من ناحيتين: