ونعجب لهذه المقولة ، ولماذا لم تَقُلْ أيضاً: لماذا يثيبني على هذا الفعل ، ما دام قد كتبه عليَّ؟ لماذا توقفتَ في الأولى و (بلعْت) الأخرى ، بالطبع ؛ لأن الأولى ليست في صالحك . إذن ، عليك أن تتعامل مع ربك معاملة واحدة ، وتقيس الأمور بمقياس واحد .
والعهد الذي أخذه الله على آدم أنْ يأكل رَغَداً من كل نعيم الجنة كما يشاء إلا شجرة واحدة حذَّره من مجرد الاقتراب منها هو وزوجه: {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} [البقرة: 35] .
وهذه المسألة تلفتنا إلى أن المحللات كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى أمّا المحرمات فقليلة معدودة محصورة ؛ لذلك حينما يُحدِّثنا الحق سبحانه عن التكليف يقول: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] فالمحرَّمات هي التي يمكن حصرها ، أما المحللات فخارجة عن نطاق الحَصْر .
ونلحظ أن الله تعالى حينما يُحذِّرنا من المحرمات لا يُحذِّرنا من مباشرتها ، بلْ مِن مجرد الاقتراب منها {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة} [البقرة: 35] ولم يقُلْ: لا تأكلا منها ؛ ليظل الإنسان بعيداً عن منطقة الخطر ومظنّة الفِعْل .
وحينما يُحدِّثنا ربُّنا عن حدوده التي حدَّهَا لنا يقول في الحدّ المحلَّل: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] وفي الحدِّ المحّرم يقول: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] ذلك لأن مَنْ حامَ حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه .