{قلنا لا تخف} من شيء من أمرهم ولا غيره ، ثم علل ذلك بقوله تعالى ، وأكده أنواعاً من التأكيد لاقتضاء الحال إنكار أن يغلب أحد ما أظهروا من سحرهم لعظمه {إنك أنت} خاصة {الأعلى} أي الغالب غلبة ظاهرة لا شبهة فيها {وألقِ ما في يمينك} أبهمه ، ولم يقل: عصاك تحقيراً لها ؛ أي: لا تبال بكثرة حبالهم ، وعصيهم ، وألقِ العويد الذي في يدك ، أو تعظيماً لها أي: لا تحتفل بكثرة هذه الأجرام وعظمها ، فإن في يمينك ما هو أعظم منها أي: العصا ، وهي التي قلنا لك أول ما شرَّفناك بالمناجاة: {وما تلك بيمينك يا موسى} (ظه ،) ، ثم أريناك منها ما أريناك {تلقف} أي: تبتلع بقوة واجتهاد مع سرعة لا تكاد تدرك {ما صنعوا} أي: فعلوه بعد تدرّب كثير وممارسة طويلة ، فلما ألقاها صارت أعظم حية من حياتهم ، ثم أخذت تزداد عظماً حتى ملأت الوادي ، ثم صعدت حتى علقت ذنبها بطرف الثنية ، ثم هبطت وأكلت كل ما عملوه في الميلين والناس ينظرون إليها لا يحسبون إلا أنه سحر ، ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها نحو ثمانين ذراعاً ، فصاح بموسى ، فأخذها ، فإذا هي عصا كما كانت ، ونظرت السحرة ، فإذا هي لم تدع من حبالهم ، وعصيهم شيئاً إلا أكلته ، وعرفوا أنه ليس بسحر ، وأصل تلقف تتلقف حذفت إحدى التاءين ، وتاء المضارعة تحتمل التأنيث على إسناد الفعل إلى العصا ، والخطاب على إسناد الفعل إلى السبب ، وقرأ ابن ذكوان برفع الفاء على الحال أو الاستئناف ، والباقون بسكونها ، وحفص بسكون اللام وتخفيف القاف على أنه من لقفته بمعنى تلقفته {إنما} أي: الذي {صنعوا} أي: زوَّروا وافتعلوا وهالك أمره {كيد ساحر} أي: كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين ، وسكون الحاء بمعنى ذي سحر ، أو بتسمية الساحر سحراً على المبالغة ، أو بإضافة الكيد إلى السحر للبيان كقولهم: علم فقه ، والباقون بفتح السين وكسر الحاء وألف بينهما.
فإن قيل: لم وحد الساحر ولم يجمع ؟