السَّادِس قَوْله {جنيا} أَي حَان قطافها فصلحت للجني فَإِنَّهَا قد تسمى رطبا فِي أول نضجها قبل أَن تصلح للجني على جِهَة الْمجَاز
وَهنا لَطِيفَة وَهِي أَن الله تَعَالَى آنسها بِأَن أَرَاهَا مثلا بالجذع الْيَابِس حِين اخضر من غير سقِي وَبعد يبسه اخضر وأثمر فِي الْحِين كَمَا ولد عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام من غير فَحل وَتكلم فِي الْحِين وَتمّ خلقه دفْعَة وَولد فِي الْحِين فَتلك بِتِلْكَ
السَّابِع أَن هزتها فتساقطت وَمَعْلُوم أَن هز مثلهَا على مَا هِيَ عَلَيْهِ من ضعفها ونفاسها لسوق النّخل لَا يسْقط الرطب فَإِن كَانَ أَعْطَيْت فِي الْحِين قُوَّة تهز بهَا النّخل فَتسقط رطبها فخرق كَبِير وَإِن تساقطت الرطب للمسها إِيَّاهَا فخرق آخر أكبر مِنْهُ
قَوْله الثَّامِن لَهَا {فكلي واشربي} فَإِن فِيهِ بِشَارَة بِسُرْعَة الْخَلَاص من ألمها فَإِن النُّفَسَاء لَا تَأْكُل وَلَا تشرب إِلَّا بعد مُدَّة لشغلها بألمها
التَّاسِع أَنه بشرها بِحُصُول الطَّعَام وَالشرَاب عِنْدهَا لِأَن كَانَت بِأَرْض فلاة فَإِن النَّاس يخَافُونَ عدمهما فِي الفلوات
الْعَاشِر قَوْله لَهَا {وقري عينا} فَعلمت بِكَلَامِهِ الخارق أَنه لَا يكذبها فأنست
الْحَادِي عشر أَنه علمهَا كَيفَ تجيب إِذا سَأَلَهَا قَومهَا فِي قَوْله لَهَا {فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا}
أَلا ترى إِلَى طمأنينتها إِلَى مبارأة وَلَدهَا كَيفَ أَتَت بِهِ قَومهَا تحمله ظَاهرا لَهُم وَقد كَادَت تَفِر بِهِ إِلَى بلد آخر أَو تخفيه مَا استطاعت فَلَا يشْعر بِهِ قَومهَا فَلَمَّا طابت نَفسهَا بِهِ فِي إِقَامَة حجتها عِنْد قَومهَا أَتَتْهُم بِهِ تحمله ظَاهرا لَهُم
فَهَذِهِ رَحِمك الله سَبْعَة أَحْوَال ثوبها رَبهَا عَلَيْهَا بِثمَانِيَة عشر حَالا سَبْعَة مِنْهَا قبل الهز وَأحد عشر بعده كلهَا تَتَضَمَّن من الْبسط والأنس والكرامات مَا يدل على رفْعَة شَأْنهَا وَعزة مَكَانهَا عِنْد رَبهَا فَكيف تبخس هَذِه الصديقة فِي حَقّهَا وتحط عَن مقَامهَا فِي الهز