الثانية: استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوماً ؛ فإن الله تعالى قد وكَلَ ابن آدم إلى سعي مّا فيه ؛ لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية ، وكانت الآية تكون بألا تهز.
الثالثة: الأمر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده ، وأن ذلك لا يقدح في التوكل ، خلافاً لما تقوله جهال المتزهدة ؛ وقد تقدم هذا المعنى والخلاف فيه.
وقد كانت قبل ذلك يأتيها رزقها من غير تكسب كما قال: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} [آل عمران: 37] الآية.
فلما ولدت أمرت بهزّ الجذع.
قال علماؤنا: لما كان قلبها فارغاً فرغ الله جارحتها عن النصب ، فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه ، واشتغل سرها بحديثه وأمره ، وكلها إلى كسبها ، وردها إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده.
وحكى الطبري عن ابن زيد أن عيسى عليه السلام قال لها: لاتحزني ؛ فقالت له: كيف لا أحزن وأنت معي؟! لا ذات زوج ولا مملوكة! أي شيء عذري عند الناس؟! {ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام.
الرابعة: قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية ، ولو علم الله شيئاً هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ؛ ولذلك قالوا: التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت ، وكذلك التّحنيك.
وقيل: إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ، ولا للمريض خير من العسل ؛ ذكره الزمخشري.
قال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى:"رطباً جنِيا"الجنيّ من التمر ما طاب من غير نَقْش ولا إفساد.
والنَّقْش أن يُنقَش من أسفل البسرة حتى ترطب ؛ فهذا مكروه ؛ يعني مالك أن هذا تعجيل للشيء قبل وقته ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله ، وإن فعله فاعل ما كان ذلك مجوّزاً لبيعه ؛ ولا حُكْماً بطيبه.
وقد مضى هذا القول في الأنعام.
والحمد لله.