فإذا كان الخالق تبارك وتعالى جعل لك روحاً في الدنيا تتحرك بها وتناسب مُدّة بقائك فيها ، ألاَ يجعل لك في الآخرة رُوحاً تناسبها ، تناسب بقاءها وسَرْمديتها ، والقرآن حينما يتحدث عن هذه الروح يقول للناس: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] فكيف يدعوهم لما يُحييهم ويُخاطبهم وهم أحياء؟ نعم ، هم أحياء الحياة الدنيا ، لكنه يدعوهم إلى حياة أخرى دائمة باقية ، أما مَنْ لم يستجب لهذا النداء ويسعى لهذه الحياة فلن يأخذ إلا هذه الحياة القصيرة الفانية التي لا بقاءَ لها .
وكما سمَّى الله السِّرَّ الذي ينفخه في المادة فتدبّ فيها الحركة والحياة"روحاً"، كذلك سمَّى القيم التي تحيا بها النفوس حياة سعيدة"روحاً"، كما قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] أي: القرآن الكريم .
كما سَمَّى الملَك الذي ينزل بالروح رُوحاً: {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين} [الشعراء: 193] وهو جبريل عليه السلام .
إذن: فقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} [مريم: 17] أي: جبريل عليه السلام . {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} [مريم: 17] معنى تمثَّل: أي: ليستْ هذه حقيقته ، إنه تمثَّل بها ، أما حقيقته فنورانية ذات صفات أخرى ، وذات أجنحة مَثْنى وثُلاَث ورُبَاع ، فلماذا إذن جاء الملَكُ مريمَ في صورة بشرية؟