{مَكَاناً شَرْقِياً} [مريم: 16] لكن شرقيّ أيّ شيء؟ فكل مكان يصح أن يكون شرقياً ، ويصح أن يكون غربياً ، فهي إذن كلمة دائرة في كل مكان . لكن هناك عَلَم بارز في هذا المكان ، هو بيت المقدس ، فالمراد إذن: شرقي بيت المقدس ، وقد جاء ابتعادها عن أهلها إلى هذا المكان المقدس لتتفرغ للعبادة ولخدمة هذا المكان .
لكن ، لماذا اختارتْ الجهة الشرقية من بيت المقدس بالذات دون غيرها من الجهات؟ قالوا: لأنهم كانوا يتفاءلون بشروق الشمس ، لأنها سِمَة النور الماديْ الذي يسير الناس على هُدَاه فلا يتعثرون ، وللإنسان في سَيْره نوران: نور ماديّ من الشمس أو القمر أو النجوم والمصابيح ، وهو النور الذي يظهر له الأشياء من حوله ، فلا تصطدم بما هو أقوى منه فيحطمك ولا بأضعف منه فتحطمه .
وكذلك له نور من منهج الله يهديه في مسائل القيم ، حتى لا يتخبّط تائهاً بين دُروبها ، ومن ذلك قوله تعالى: {الله نُورُ السماوات والأرض} [النور: 35] ثم يقول بعدها: {نُّورٌ على نُورٍ} [النور: 35] .
أي: نور السماء الذي ينزل بالوحي لهداية الناس .
{فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) }
الحجاب: هو الساتر الذي يحجب الإنسان عن غيره ويحجب غيره عنه ، فما فائدة أنْ تتخذ بينها وبين أهلها سِتْراً بعد أن ابتعدتْ عنهم؟ نقول: انتبذتْ من أهلها مكاناً بعيداً ، هذا في المكان ، إنما لا يمنع أنْ يكونَ هناك مكينٌ آخر يسترها حتى لا يطّلع عليها أحد ، فهناك إذن مكان ومكين .