"وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى جَوَابٍ لِبَعْضِهِمْ عَنْ هَذَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ اسْتِغْفَارٌ تُرْجَى إِجَابَتُهُ ، حَتَّى يَكُونَ مَقْصُودُهُ تَحْصِيلُ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ ، بِخِلَافِ الِاسْتِغْفَارِ لِمِثْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ، فَإِنَّهُ اسْتِغْفَارٌ لِقَصْدِ تَطْيِيبِ قُلُوبِ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ ، وَهَذَا الْجَوَابُ لَيْسَ بِمَرَضِيٍّ"
عِنْدِي ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ: (فَإِنْ قُلْتَ) كَيْفَ خَفِيَ عَلَى أَفْصَحِ الْخَلْقِ ، وَأَخْبَرِهِمْ بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ وَتَمْثِيلَاتِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْعَدَدِ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ وَلَوْ كَثُرَ لَا يُجْدِي ، وَلَاسِيَّمَا وَقَدْ تَلَاهُ قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ (80) الْآيَةَ . فَبَيَّنَ الصَّارِفَ عَنِ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ ؟ (قُلْتُ) لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ ، وَقَالَ مَا قَالَ إِظْهَارًا لِغَايَةِ رَحْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ عَلَى مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14: 36) وَفِي إِظْهَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّأْفَةَ الْمَذْكُورَةَ لُطْفٌ بِأُمَّتِهِ ، وَبَاعِثٌ عَلَى رَحْمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا انْتَهَى . وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ قَالُوا: لَا يَجُوزُ نِسْبَةُ مَا قَالَهُ إِلَى الرَّسُولِ ; لِأَنَّ اللهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لِلْكُفَّارِ ، وَإِذَا كَانَ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ فَطَلَبُ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ مُسْتَحِيلٌ ، وَطَلَبُ الْمُسْتَحِيلِ