قال ابن عباس وقتادة: أما السنون فكانت لباديتهم ومواشيهم، وأما نقص الثمرات فكان في أمصارهم، وهذه سيرة الله في الأمم، يبتليها بالنقم ليزدجروا ويتذكروا بذلك ما كانوا فيه من النعم، فإن الشدة تجلب الإنابة والخشية ورقة القلب، والرجوع إلى طلب لطف الله وإحسانه، وكذا فعل بقريش حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» وروي أنه يبس لهم كل شيء ، حتى نيل مصر، ونقصوا من الثمرات، حتى كانت النخلة تحمل التمرة الواحدة.
131 -ثم بين أن المصائب لم تفدهم ذكرى، بل زادتهم عتوا فقال: {فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ} ؛ أي: فإذا جاءهم الخصب، والثمار، والمواشي، والسعة في الرزق والعافية {قالُوا} ؛ أي: قال آل فرعون {لَنا هذِهِ} الحسنة؛ أي: نحن المستحقون لها بما لنا من التفوق على الناس، فبلادنا بلاد خصب ورخاء، وقد غاب عنهم أن يعلموا أن هذا من الله، فعليهم أن يشكروه عليها ويقوموا بحق النعمة فيه. قال أبو السعود: وهذه الجملة بيان لعدم تذكرهم وتماديهم في الغي. {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} ؛ أي: وإن أصابهم قحط وجدب ومرض وبلاء {يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ} من المؤمنين؛ أي: تشاءموا بموسى وقومه وقالوا: إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه، وغفلوا عن سيئات أنفسهم، وظلمهم لقوم موسى، توهما منهم أنّ ذلك حق من حقوقهم.
وهذه المعاملة يعامل بها الآن الأجنبي في الوطن أو في الدين، كما نراه الآن في بعض الدول العصرية، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
قال الزمخشري:
فَإِنْ قُلْتَ: كيف قيل: {فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ} بـ {إذا} وتعريف الحسنة، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} بـ {إِنْ} وتنكير السيئة؟
قلت: لأنّ جنس الحسنة وقوعه، كالواجب لكثرته واتساعه، وأما السيئة: فلا تقع إلا في الندرة، ولا يقع إلا يسير منها، ومنه قول بعضهم:
وقد عدّدت أيّام البلاء ... فهل عددت أيّام الرّخاء
انتهى.