ويبدأ شعيب - عليه السلام - بدعوتهم إلى عبادة الله وحده وإفراده سبحانه بالألوهية ، وإلى الدينونة له وحده وإفراده من ثم بالسلطان في أمر الحياة كله.
يبدأ شعيب - عليه السلام - في دعوتهم من هذه القاعدة ؛ التي يعلم أنه منها تنبثق كل مناهج الحياة وكل أوضاعها ؛ كما أن منها تنبثق قواعد السلوك والخلق والتعامل. ولا تستقيم كلها إلا إذا استقامت هذه القاعدة.
ويستصحب في دعوتهم إلى الدينونة لله وحده ، وإقامة حياتهم على منهجه المستقيم ، وترك الإفساد في الأرض بالهوى بعدما أصلحها الله بالشريعة.. يستصحب في دعوتهم إلى هذا كله بعض المؤثرات الموحية.. يذكرهم نعمة الله عليهم:
{واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم} .
ويخوفهم عاقبة المفسدين من قبلهم:
{وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين} ..
كذلك يريد منهم أن يأخذوا أنفسهم بشيء من العدل وسعة الصدر ؛ فلا يفتنوا المؤمنين الذين هداهم الله إليه عن دينهم ، ولا يقعدوا لهم بكل صراط ، ولا يأخذوا عليهم كل سبيل ، مهددين لهم موعدين ، وأن ينتظروا حكم الله بين الفريقين. إن كانوا هم لا يريدون أن يكونوا مؤمنين:
{وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا ، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ، وهو خير الحاكمين} ..
لقد دعاهم إلى أعدل خطة. ولقد وقف عند آخر نقطة لا يملك أن يتراجع وراءها خطوة.. نقطة الانتظار والتريث والتعايش بغير أذى ، وترك كلٍّ وما اعتنق من دين ، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من الناس لا تدين للطاغوت.. إن وجود جماعة مسلمة في الأرض ، لا تدين إلا لله ، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه ، ولا تحكم في حياتها شرعاً إلا شرعه ، ولا تتبع في حياتها منهجاً إلا منهجه.. إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت - حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها ، وتركت الطواغيت لحكم الله حين يأتي موعده.