مِنَ الْهِدَايَةِ ؛ إِذْ كَسْبُ الْعِبَادِ مَا زَالَ يَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا عَظِيمًا بِتَفَاوُتِ قُوَى عَضَلِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ ، وَقُوَى عُقُولِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ وَعَزَائِمِهِمْ ، وَتَفَاوُتِ عُلُومِهِمْ وَمَعَارِفِهِمْ
وَلِذَلِكَ اشْتَبَهَتِ الْآيَاتُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بِالسِّحْرِ وَالشَّعْوَذَةِ ، وَمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنَ التَّأْثِيرِ لِعُلُوِّ الْهِمَّةِ وَقُوَّةِ الْإِرَادَةِ .
(هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً) هَذَا بَيَانٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلْبَيِّنَةِ ، أَيْ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ تَعَالَى - أَضَافَهَا إِلَى اسْمِهِ الْكَرِيمِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا . وَقِيلَ: لِأَنَّهُ خَلَقَهَا عَلَى خِلَافِ سُنَنِهِ فِي خَلْقِ الْإِبِلِ وَصِفَاتِهَا ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالِكٌ . وَالْمَعْنَى: أُشِيرُ إِلَيْهَا حَالَ كَوْنِهَا آيَةً لَكُمْ خَاصَّةً لَكُمْ . وَبَيَّنَ مَعْنَى كَوْنِهَا آيَةً بِقَوْلِهِ:
(فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وَمِثْلِهِ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ إِلَّا أَنَّهُ وَصَفَ الْعَذَابَ الْعَظِيمَ فَهُوَ أَلِيمٌ وَعَظِيمٌ - وَفِي (هُودٍ) إِلَّا أَنَّهُ وَصَفَ الْعَذَابَ بِالْقَرِيبِ ، وَهُوَ أَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ مَسِّهِمْ