فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 1036

التقدم العلمي والحضاري، وهو السر الذي دفع قوافل طلبة العلم التوجه إليها، وكانت الثانية بعد بغداد، وحين استكمل البدايات، وتقدم في التحصيل، وتضلّع من ينابيع البصرة العلمية، وجه النظر إلى بغداد، العاصمة العلمية، فشد الرحال وودع الأهل لينضم إلى حلقات العلم هناك، ولينتظم بها، وما أن أخذ مكانه، حتى انكبّ على الدرس والمطالعة في جو مفعم بالحركة والنشاط والحيوية، وزاحم مئات الطلبة في مدينة تعجّ بأهل العلم، علماء ومتعلمين، في زمن كان لأهل العلم عامة والعلم الشرعي على الخصوص مكانتهم ومنزلتهم وتقديرهم الخاص، حتى كان السلاطين والأمراء يتباهون بأصحاب العمائم في مجالسهم، ويقربونهم ويغدقون عليهم العطايا والهبات، وقلّما يردون أحكامهم.

وظل الشيخ يتنقل في هذا الخضم الهائل من أهل العلم من عالم إلى آخر حتى حصل غايته، ونال مبتغاه، وتخرّج على أيدي ثلّة من أولئك المبرزين في علوم عديدة، فقدّم للتدريس، وقرر العودة إلى موطنه معلما بعد أن كان تركها طالب علم، وتصدّر للتدريس هناك مدة ثم عاد الكرّة إلى بغداد ليستقر به المقام، دون أن يغادره الشوق والحنين إلى مراتع الصبا، وكانت المراسلات بينه وبين أحبته هناك تسد مسد الرؤية.

بقي في بغداد مدرسا فقاضيا ثم أقضى القضاة، وانكبّ على التأليف والتصنيف حتى اشتهر صيته وذاع اسمه، وانتهت إليه رئاسة وإمامة

المذهب الشافعي في عصره. (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت