قال ابن القيم:"وعلى هذا أبدًا تجيء الفتاوى في طول الأيام ،فمهما تجد في العرف ،فاعتبره ،ومهما سقط ،فألفه ،ولا تجهد على النقول في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل يستفتيك ،فلا تجبه على عرف بلدك ، وسله عن عرف بلده فأجبه عليه" (51) .
أمثلة تطبيقية:
-إذا تنازع الزوجان في متاع البيت،فإن لكل منهما ما جرت عليه العادة باستعماله (52)
-سقوط نفقة الزوجة إذا أكلت مع زوجها بجريان عرف الناس على ذلك، واكتفائهم به (53)
-تقدير اللقطة التي لا يجب تعريفها .
ولتغير الفتوى بتغير العرف مجال للتيسير مثل أن كل ما تعارف الناس على أنه بيع،فهو بيع ،ولا يلزم ما قرره الفقهاء المتقدمون من صيغ الإيجاب والقبول، وكذا سائر العقود، وإنما قرروا ذلك على أعرافهم (54)
5-التطور:
المراد ما جد للناس من وسائل وآلات لم تكن في العصور السابقة ،وبناء على هذا الجديد، فإن الفتوى تغيرت على وفقه، ولم يجمد الحكم الشرعي على الوسائل التي لم ترد لذاتها ،ولم ينط الحكم بها دون غيرها .
مثال ذلك: القصاص في قتل الجاني ،فقد اختلف الفقهاء في كيفية القصاص على مذهبين: الأول:مالك ،والشافعي، ورواية عن أحمد أن القصاص يكون بالصفة التي وقع بها القتل،والثاني:أبو حنيفة، ورواية عن أحمد أنه لا يكون إلا بالسيف ، ولكل مذهب دليله (55) ،وليس المقصود تحرير المسألة، وإنما التمثيل لتغير الفتوى نتيجة للتطور ،فعلى القول الثاني، فإن القصاص بالوسائل الحديثة التي يكون فيها تسريعًا في إحداث الوفاة ،فإنها تستخدم عملًا بالأمر بإحسان القتلة .
6-المصلحة:
إن المتتبع لمذاهب الفقهاء يجد أنهم يتفقون عمليًا على اعتماد المصلحة، وإن اختلفوا نظريًا (56) .
والمراد بالمصلحة:"المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، ونسلهم، وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها (57) ."
،والمصلحة باعتبار الحكم الشرعي على ثلاثة أقسام:
أ-المصالح المعتبرة شرعًا: وهي التي تظافرت الأدلة على رعايتها، فهي حجة صحيحة لا خلاف بين أهل العلم في إعمالها, وذلك كأن ينص الشارع على حكم، ويجعل مناط الحكم تحقيق مصلحة ما,أو دفع مفسدة ما .
فإنه إذا وقعت حادثة أخرى تتحقق فيها هذه المصلحة أو تندفع بها هذه المفسدة وجب إعطاؤها نفس الحكم للمنصوص (58) .
مثاله:أن تعلم الرمي فيه مصلحة إرهاب أعداء الله كما نصت عليه آية الأنفال،و التصنيع العسكري يأخذ حكمه لأن فيه المصلحة نفسها .
ب- المصالح الملغاة شرعًا:وهي المصالح التي شهد الشارع بردها وأقام الأدلة على إلغائها ،وهذا النوع من المصالح لا سبيل لقبوله، ولا خلاف في إهماله عند الجميع (59) .
مثال ذلك:توهم مصلحة التخفيف عن النفس من مرض أو ألم شديد بالانتحار لأن هذه المصلحة رفضها الشارع وردها بقوله تعالى ( ولا تقتلوا أنفسكم ... ) (النساء 11)
ج-المصالح المرسلة: وهي التي لم يقم دليل من الشرع على اعتبارها، ولا على إلغائها وسميت مرسلة لأن الشارع أرسلها فلم يقيدها باعتبار ولا إلغاء (60) .
ودليل اعتبار المصلحة المرسلة عمل الصحابة رضي الله عنهم حيث حدث في زمانهم ما لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وجدت أمور، فضربوا النقود، وشادوا السجون، واتخذوا الدواوين، وجمعوا المصحف إلى غير ذلك مما يطول حصره، وقد أجمع الصحابة على قبولها بما لا يدع ريبًا ولا شكًا (61) .
شروط العمل بالمصلحة المرسلة:
1-الملائمة بين المصلحة الملحوظة، ومقاصد الشرع بالجملة بحيث لا تنافي أصلًا من أصوله ولا دليلًا من أدلته.
2-أن تكون معقولة في ذاتها بحيث إذا عرضت على أهل العقول تلقتها بالقبول ،فلا مدخل لها في التعبدات لأن عامة التعبدات لا يعقل معناها على التفصيل .
3-أن يكون الأخذ بها راجعًا إلى حفظ أمر ضروري أو رفع حرج لازم في الدين بحيث لو لم يؤخذ بتلك المصلحة المعقولة في موضعها لكان الناس في حرج شديد.
4-عدم تفويتها مصلحة أهم.
5-عدم معارضتها للقياس الصحيح (62) .
أمثلة تطبيقية:
-امتناع عمر عن إعطاء الكبراء من الزكاة تأليفًا لقلوبهم عندما قويت شوكة الإسلام ، لأنه يرى أن الحكم كان لمصلحة زالت فزال حكمها (63) .
-السفر إلى بلاد الكفر، فإن الفتوى فيه تتغير حسب المصلحة فإذا ظهر أن السفر إليها فيه مصلحة مرجوة دون أن تجر على صاحبها مفسدة جاز، وهذا من أبواب التيسير على المكلفين حفظًا لمصالحهم الدينية والدنيوية.
قاعدة"ارتكاب أخف الضررين"وأثرها في التيسير في الفتوى:
إن المتتبع لكلام أهل العلم ،وفتاويهم يدرك إلى مدى كانت هذه القاعدة معتبرة عندهم ،وقد دلت النصوص على اعتبارها .
-فمن ذلك قوله تعالى: ( ولا تسبوا الذي يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) (الأنعام108) فأرشد سبحانه وتعالى إلى ترك سب آلهة المشركين لدرء المفسدة الأعظم وهي سب المشركين لله سبحانه وتعالى بارتكاب مفسدة أقل وهي ترك سب آلهتم.
-ومن الأدلة خرق الخضر السفينة ، حيث أن خرقه لها مفسدة، وضرر، ولكن لدفع ضرر أشد، وهو أخذ الملك السفينة برمتها .
-ومنها نهي النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم عن الإنكار على الأعرابي الذي بال في المسجد وقت تبوله حتى أتمه (64)
،وذلك أن الإنكار عليه سيؤدي إلى مفسدة أعظم ،وهي تلوث قدر أكبر من المسجد ،وكذا ثيابه ستتلوث، فأقر منكرًا لزمن معين لدفع منكر أعظم.
وهذه القاعدة من أعظم أبواب التيسير في الفتوى ذلك أن من مقاصد الشريعة تحصيل المصالح ،وتكميلها ،وتعطيل المفاسد ،وتقليلها ،فإذا تزاحمت المصالح فالواجب تحصيل الأكمل منهما ،وإذا تعارضت مفسدتان ،فالواجب درء الأكبر منهما بارتكاب الأصغر.
أمثلة تطبيقية:
-قبول إمامة الفاسق والمبتدع - ما لم تكن بدعته مكفرة - إذا لم تمكن إزالته وذلك لتحصيل الجمع والجماعة (65) .
-تولية الفاسق في القضاء إذا لم يوجد غيره لدفع مفسدة خلو البلاد من القضاء الذي يحفظ النظام أو جزءًا منه.
-العمل في المرافق المهمة، وإن كان فيها بعض المنكرات، وذلك أن خلوها من الصالحين مفسدة أعظم من الوقوع في بعض المحظورات .
مآل الفتوى وأثرها في التيسير:
من المتقرر أن الفتوى الشرعية تحقق مصالح العباد ،ولذا فإن على المفتي أن لا يفتي بما يترتب على فتواه مفاسد أكبر ،ولو كان الأمر واجبًا أو مستحبًا .قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (على المفتي أن يمتنع عن الفتوى إن كان قصد المستفتي -كائنا من كان-نصرة هواه بالفتوى، وليس قصده معرفة الحق، واتباعه) (66) ،ومن ذلك امتناع النبي صلى الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم لما في ذلك من فتنة على القوم الذين اسلموا حديثًا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لهدمت الكعبة، وبنيتها على قواعد إبراهيم) (67) .
والمفتي متى امتنع عن الفتوى التي تسبب ضررًا ،فقد سلك سبيل التيسير على الناس .
التيسير في الفتوى بين الإفراط والتفريط
جرت العادة الغالبة في موقف الناس من القضايا المطروحة على العقل البشري أنهم طرفان ،ووسط، ومن تلك القضايا مسألة التيسير في الفتوى.