فهرس الكتاب

الصفحة 989 من 1226

قال ابن القيم - رحمه الله -": الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها ، لا بحسب الأزمنة والأمكنة ، ولا اجتهاد الأئمة كوجوب الواجبات ، وتحريم المحرمات ،والحدود المقدرة على الجرائم ،ونحو ذلك ، فهذا لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه . والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ،ومكانًا ،وحالًا ،كمقادير التعزيرات ،وأجناسها ،وصفاتها ، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة" (28) .

تنبيه:

ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يوجد متغير في الشريعة, و شنوا حملة ضد مصطلح المتغير ، وقالوا إنه لا تغير في أحكام الشريعة ،وإن بدا أنه تبدل أو تغير ،فهو في الحقيقة ليس تغيرًا لحكم شرعي ،وإنما هو تغير مناط الأحكام المتعلقة بأمر من الأمور ،وأن الحكم يتغير بتغير مناطه (29) .وعند تحرير محل النزاع بين الفريقين نجد أن الخلاف لفظي ،وذلك أن القائلين بالتغير إنما يقولون بتغير الأحكام المعللة إذا اختلفت العلة أو زالت ، وكذلك الأحكام المترتبة على العوائد ،والأعراف ،واعتبار حال الزمان والمكان ، أما الأحكام الثابتة ،فلا تغير فيها ،وجعلوا عدم مخالفة النص ضابطًا لابد من اعتباره بالدرجة الأولى .

والقائلون بعدم التغيير أقروا التغيير عمليًا ،ولكن سموه تغيير مناط الحكم ،وأن التغيير حصل لاختلاف المناط لا للحكم نفسه وحاصل النتيجة واحد .

تغير الفتوى

لقد تقرر عند الأئمة أن الفتوى تتغير بتغير الزمان , والمكان والعوائد والأحوال .

قال ابن القيم - رحمه الله:"فصل في تغير الفتوى ،واختلافها بحسب تغير الأزمنة ،والأمكنة ،والأحوال ،والنيات والعوائد.. -ثم قال:- وهذا فصل عظيم النفع جدًا ،وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج ،والمشقة ،وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به ،فإن الشريعة مبناها ،وأساسها على الحكم ،ومصالح العباد في المعاش والمعاد" (30) .

ويقول القرافي -رحمه الله -:"إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع ،وجهالة في الدين بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة" (31) .

وجاء في مجلة الأحكام العدلية المادة (39) :"لا ينكر تغير الأحكام بتبدل الزمان"

أسباب تغير الفتوى ،وأثرها على التيسير:

1-تغيير الزمان:

إن تغير الفتوى بتغير الزمان مما شهدت له النصوص الشرعية ، فالتدرج في الشريعة فيه دلالة على تغير الفتوى بتغير الزمان ،والزمان ليس هو سبب تغير الفتوى بحد ذاته ، إنما بما فيه من ملابسات اقتضت ذلك ومن الأدلة على ذلك:

-الإبراد بالصلاة زمن شدة الحر ،فعن أبي هريرة وابن عمر قالا قال صلى الله عليه وسلم"إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" (32) ،فانتقل عن الأصل الذي هو استحباب التبكير بالصلاة في أول وقتها إلى استحبابه في آخره لتغير الزمن .

-الصلاة في البيوت في الليلة الباردة مع أن الأصل وجوب الصلاة في المساجد جماعة ، ففي الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة في الرحال في الليلة الباردة (33) .- ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تقطع الأيدي في الغزاة (34) .

-ومن ذلك النهي عن الادخار في الأضاحي أكثر من ثلاث في زمن الفاقة ،فعن عائشة رضي الله عنها قالت:"دف-أي أقبل- الناس من أهل البادية فحضرت الأضحى ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إدخروا لثلاث ،وتصدقوا بما بقي"قالت عائشة ،فلما كان بعد ذلك قلت: يا رسول الله قد كان الناس ينتفعون بضحاياهم، فقال صلى الله عليه وسلم"إنما كنت نهيتكم للدافة التي دفت ،فكلوا ،وتصدقوا ،وتزودوا"وفي رواية"فعلت ذلك من أجل الدافة" (35) ."

ولهذا عندما خطب علي رضي الله عنه الناس زمن عثمان ،والناس في فاقة ،وجوع ذكرهم بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الادخار (36) .

أمثلة تطبيقية:

-تحريم بيع السلاح في زمن الفتنة مع أن الأصل جواز بيعه (37) .

-جواز تولية الفاسق للقضاء عند فساد الزمان (38) .

2-تغير المكان:

إن تغير الفتوى بتغير المكان من أسباب التيسير في الفتوى ،ويدل لذلك ما رواه البخاري معلقًا"قال طاووس قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير ،والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة" (39) .

ومما يدل عليه إخراج زكاة الفطر من قوت البلد لأنه أنفع لفقراء البلد وأيسر على المتصدقين.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير (40) .

قال ابن القيم رحمه الله -:"وهذه كانت غالب أقواتهم في المدينة، فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنما عليهم صاع من قوتهم كمن قوتهم الذرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتهم غير الحبوب كاللبن، واللحم، والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنًا ما كان" (41) .

أمثلة تطبيقية:

-ذهب جماعة من أهل العلم إلى كراهية الزواج من الكتابية في دار الحرب (42) .

-إن الضيافة إنما تتأكد على أهل البادية ،ولا ضيافة في الحضر لوجود الفنادق ،وغيرها ،ولأن القرى يقل الوافد إليها ،فلا مشقة بخلاف الحضر (43) .

-صلاة أهل القطبين ،وصيامهم ،وكذا المناطق التي يطول فيها وجود الشمس أو غيابها فوق العادة.

3-تغير الأشخاص:

من المعلوم أن المكلفين لا يستوون قوة وضعفًا ، وغنىً وفقرًا ،ولذا فإن الشارع الحكيم راعى هذا الجانب ،ولكنه لم يخص أحدًا لشخصه ،وإنما لوصفه .

ويدل لذلك حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال كانت بي بواسير ،فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ،فقال:"صل قائمًا ،فإن لم تستطع ،فقاعدًا ،فإن لم تستطع ،فعلى جنب" (44) .

ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت سودة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة جمع ،وكانت ثقيلة ثبطة ،فأذن لها (45) .

وما سبق دليل على أن مراعاة حال الشخص من أبواب تغير الفتوى تيسيرًا أو تشديدًا يقول الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله"إذا كانت حال المستفتي أو المحكوم عليه تقتضي أن تعامل معاملة خاصة عمل بمقتضاها ما لم يخالف النص" (46) .

أمثلة تطبيقية:

-عدم التوقيت في المسح على الخفين للبريد (47) .

-تأجيل إقامة الحد على المريض حتى يبرأ (48) .

4-تغير العرف والعادة:

والعرف هو عادة جمهور قوم في قول أو فعل (49) ،والعادة هي العرف ،والعرف من مجالات التيسير في الفتوى شريطة ألا يصادم نصًا شرعيًا ،ولو تعارف عليه أهل الأرض جميعًا كالربا.

والدليل على تغير الفتوى بتغير العرف قوله تعالى: ( وعاشروهن بالمعروف) ،وقوله تعالى (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين) (سورة البقر 236) .

ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها قالت:قالت هند أم معاوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرًا قال:"خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف" (50) .قال الحافظ:"وفيه _ أي في الحديث_ اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع ،وقال القرطبي: فيه اعتبار العرف في الشرعيات"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت