شهد الشرع بعدم اعتبارها كالربا (وأحل الله البيع وحرم الربا) [البقرة: 275] . مع ما قد يتوهم من جلبه للمصالح، ومن الأمثلة التي تذكر في هذا المقام المصلحة التي حكم بها يحيى بن يحيى على عبد الرحمن بن الحكم الذي وطئ في نهار رمضان حيث حكم عليه بصيام شهرين متتابعين.
وترك هذا الفقيه الحكم بالعتق كما هو قول الجمهور، وترك كذلك التخيير بين الكفارات كما هو القول في مذهب مالك، وعلته في ذلك: أننا لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه (أي على هذا الواطئ) أن يعتق كل يوم رقبة، فحمله على أصعب الأمور لئلا يعود (19) .
فهو نظر إلى مصلحة وفوت مصلحة أعظم منها وهي تشوف الشرع إلى إعتاق الأرقاء.
مثال آخر: الشخص الذي أراد نقل صلاة الجمعة ليوم الأحد في بلاد الغرب لمصلحة متوهمة، وهي أن الناس لا يجتمعون للجمعة، فتؤخر إلى اليوم الذي يجتمعون فيه، وقد رد عليه بعض العلماء بأمرين:
أحدهما: مخالفة النص الصريح: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) فنص على ذلك اليوم
وثانيهما: قيل له هذه صلاة الجمعة فإذا أقمناها يوم الأحد فماذا تسمى؟!!! (20)
(ج) مصلحة لم يقم الدليل على اعتبارها بذاتها ولا إلقائها، ولكنها تدخل ضمن مقاصد الشرع، وتسمى (المصلحة المرسلة) .
ومن أمثلتها: جمع القرآن، تدوين الدواوين، قوانين السير والمرور، وتحديد الأسعار، وإنشاء المحاكم، فهذه مصلحة معتبرة (21) .
2-مسايرة الواقع بعجره وبجره (الرضوخ تحت ضغط الواقع) . فيشكل هذا الضغط تكييف الأحكام الشرعية وفقًا للواقع المعاش، دون مراعاة النصوص.
3-الاجتهاد قبل اكتمال الأهلية.
4-الاجتهاد على خلاف النص، إما لجهل بثبوته، أو عدم العلم به أصلًا، أو لغفلة وذهول لهوى أو سوء فهم.
5-مسايرة الهوى طمعًا في جاه أو منصب أو تملقًا لمن يخشى أو يرجى، ومن ذلك تملق الجماهير طمعًا في النجومية، وإقبال الدهماء.
6-عدم فهم الواقع، ومن الأمثلة على ذلك إفتاء بعضهم بأن الباروكة لا تعدو أن تكون غطاءً للرأس، فتحل، رقم أنها داخلة في معنى الواصلة التي ورد فيها اللعن.
7-تقليد الفكر الغربي (كما في منع الطلاق، ومنع تعدد الزوجات) أو مجاملته على الأقل (22)
المبحث الخامس: تنبيهات.
* ينبغي أن تكون الفتوى جماعية قدر الإمكان، في صورة مجامع فقهية وهيئات لكبار العلماء، ولا تتأثر بالبيئة الاجتماعية والمؤثرات الأخرى، ومع ذلك لا يستغنى عن الاجتهاد الفردي الذي يكشف الطريق ويمهده بما يقدم من دراسات رصينة، تضيء الطريق، وتكشف معالمه.
* وينبغي أن يتوجه الفقيه في اجتهاداته إلى المسائل المعاصرة فيتصدى لها ويستنبط الأحكام لها في ضوء النصوص والقواعد الكلية للفقه، وألا يستهلكه تقرير المسائل القديمة دون النظر للمستجدات.
* قد يبدو للمجتهد المجدد فهمًا تحتمله النصوص الشرعية لعله لم يسبق إليه أو سبق إليه ولكنه هجر، لعدم الحاجة إليه أو لعدم شهرة قائله، وربما فتح هذا القول أفقًا واسعًا للمجتهدين بما لا يتعارض مع النصوص ولا يخالف القطعيات.
* تيسُّر الاجتهاد اليوم: مما نص عليه بعض أهل العلم كابن القيم وغيره أن الاجتهاد يتجزأ، فهناك مجتهد في باب تمكن من أدلته، أما من أتقن مسألة فقط فقد منع بعض أهل العلم اجتهاده فيها باعتبار أن المسألة الواحدة ترتبط بغيرها من المسائل (23) .
وهناك الاجتهاد الانتقائي (الترجيحي) بين أقوال السابقين، وكثير من رسائل الدراسات العليا من هذا الباب
ويشار هنا إلى أن الاجتهاد بالنسبة للمجتهدين قد أصبح أمره أيسر من الزمن الماضي من ناحية توفر المراجع وطباعتها وكونها في متناول الباحث، وقد أشار على هذا العلامة الحجوي في كتابه (الفكر السامي) وقد حقق كثيرًا من الكتب التي كانت نادرة، ويوجد في مكتبة طالب العلم اليوم من كتب التخصص ما لم يكن يوجد في مكتبات بعض الأئمة سابقًا، وساعد الكمبيوتر في تقريب كثير من المعلومات وجمعها بين يدي الباحث.
* عند التجديد لابد من مراعاة يسر الشريعة وأنها بنيت على ذلك لا استجابة لضغوط الواقع أو تناغمًا مع روح العصر، ولكنها صفة أصيلة في الشريعة قال - تعالى - (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وفي الحديث المتفق عليه فيما رواه أنس"يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا".
وقالت عائشة - رضي الله عنها (ما خير النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا)
* وعند التصدي للتجديد لابد أن نتوقع الخطأ وأن نتقبل ذلك بصدر رحب وأن نبذل النصيحة ولا نبادر بالاتهام لمن اجتهد - وهو من أهل الاجتهاد - فأخطأ، فإنه مأجور، وربما كان هو المصيب في الحقيقة، وقد يفتح باجتهاده هذا بابًا كان مغلقًا، ولنا في شيخ الإسلام ابن تيمية قدوة فقد كان من المجددين، وقد قاومه أهل عصره، وأساؤوا به الظن، ثم انتفعوا بعلمه واجتهاده، ولا زلنا اليوم نفيد من تجديده في مجالات كثيرة. والله الموفق.
المصادر والمراجع
(1) مسند أبي يعلى الموصلي، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، 1407هـ.
(2) القاهرة.
(3) الجامع الصغير للسيوطي، مع شرحه فيض القدير، للمناوي، دار الفكر، بيروت.
(4) المقاصد الحسنة، للسخاوي، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت.
(5) صحيح الجامع الصغير وزياداته، محمد ناصر الدين الألباني، أشرف على طبعه: زهير الشاويش، الطبعة الثانية، 1406هـ، المكتب الإسلامي، بيروت - دمشق.
(6) سلسلة الأحاديث الضعيفة، محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة 1398هـ، المكتب الإسلامي، بيروت دمشق.
(7) جمع الجوامع، تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي، مطبعة محمد سبيح، الطبعة الثانية، 1346هـ.
(8) الاعتصام، لأبي إسحاق الشيرازي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر.
(9) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، خرج أحاديثه وعلق عليه:عبد العزيز بن عبد الفتاح القاري، الناشر:المكتبة العلمية، المدينة المنورة،الطبعة الأولى 1396هـ
(10) الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، يوسف القرضاوي، دار الصحوة، القاهرة، الطبعة الأولى 1406هـ. (11) الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط، يوسف القرضاوي، دار التوزيع والنشر الإسلامية: 1414هـ
(12) نحو فقه ميسر، يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة.
(13) الوجيز في أصول التشريع الإسلامي، محمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(14) التجديد في الإسلام، كتاب المنتدى، سلسلة تصدر عن المنتدى الإسلامي، لندن، الطبعة الثالثة، 1419هـ
(15) أصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1406هـ.
(16) أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي، مصطفى البغا، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 1413هـ.
(17) الدليل إلى المتون العلمية، عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، دار الصميعي، الرياض.
(18) بحث الفقه الإسلامي، آفاقه وتطوره، د. عباس حسني محمد، مجلة دعوة الحق، السنة الثانية، محرم، 1402هـ. العدد العاشر.
(19) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين ، بيروت، الطبعة الثالثة.
(20) القاموس المحيط، لمجد الدين الفيروز آبادي، دار الحديث، القاهرة.
(21) معجم لغة الفقهاء ، محمد رواس قلعجي، حامد قنيبي، دار النفائس بيروت.
(22) ديوان المتنبي، دار بيروت للطباعة والنشر.
(23) مصطفى صادق الرافعي، فارس القلم تحت راية القرآن، محمد رجب البيومي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1417هـ.