فهرس الكتاب

الصفحة 985 من 1226

(ج) أو البحث من خلال الثروة الفقهية التي ورثناها عن أسلافنا، فإن لم نجد اجتهد المجتهد في ضوء القواعد الشرعية العامة. الصحيح أنه لا يسع الفقيه إلا الأمر الأخير.والمجال الآخر الذي تكثر فيه النوازل: المجال الطبي، فقد وضع العلم الحديث بين يدي المسلم مجموعة كبيرة من النوازل، تدخل أحيانًا في تفصيلات الحياة اليومية، وتثور أسئلة وافرة في ذهن الطبيب المسلم عن الحكم الشرعي لها كقضايا زرع الأعضاء، والاستنساخ، والهندسة الوراثية، وأبحاث العقم، والوفاة الدماغية .... الخ. خاصة وأن هذا التقدم العلمي قد نشأ في مجتمع غير مسلم وله أعراف غير أعرافنا، فهو شبيه بشعب بوان الذي قال فيه المتنبي:

ولكن الفتى العربي فيها … …

غريب الوجه واليد واللسان (11)

(4) تقريب الفقه للناس وتيسيره، وكتابته بأسلوب يناسب العصر، مع استخدام الوسائل المتاحة في هذا العصر وذلك يتم بأمور منها:

أ. استخدام اللغة الميسرة البسيطة التي يفهمها غير المتخصص لأنه يحال أحيانًا بين الناس وبين كتب الفقه بسبب وعورة المصطلحات التي تشكل على غير المتخصص، ومن حق الناس أن يقرب لهم الفقه بلغة عصرهم.

ب. التخفف من المسائل التي لا وجود لها في عصرنا كبعض المعاملات التي لا يتعامل بها حاليًا، أو يتعامل بها على نطاق ضيق كشركات المفاوضة والعنان، فينبغي التركيز على ما يعايشه الناس في هذا الشأن وغيره كأعمال البنوك وشركات التأمين، ونحو ذلك، وكذلك البعد عن التفصيلات وتشقيقات المسائل التي لا طائل من ورائها.

ج. استخدام معارف العصر في الترجيح، فقد يترجح بعض الأقوال بناء على ذلك، خلافًا لما يذكر في كتب الفقه، فالسفينة التي يتكلم الفقهاء السابقون عن ضمانها غير السفينة الحالية، فتلك تحركها الرياح وهذه يحركها المحرك الآلي.

د. تحويل المقادير الشرعية إلى مقادير معاصرة، فلا يكاد الناس اليوم يعرفون مقدار الدينار والفرسخ والقلة والوسق إلا ببيانها بالمقادير المعاصرة، وهو أمر متاح وقد ألفت فيه مؤلفات عدة (12)

هـ. الحرص على بيان الحكمة من التشريع فإن لها أثرًا على اطمئنان القلب كما في قوله - تعالى - (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) مع الاستفادة مما يكتبه المعاصرون كحديثهم عن مضار التدخين، ومضار ولوغ الكلب في الإناء، وأكل لحم الخنزير، مع الحذر من التعليلات القاصرة التي تفتح الباب لذوي الأهواء أو المنكرين كتعليل تحريم الربا باستغلال حاجة الفقير وتعليل الزنا باختلاط الأنساب، مع الإشارة إلى عدم الجزم بالعلة أو الحكمة من التشريع إذا لم يكن منصوصًا عليها.

(و) ربط جزئيات الفقه بمقاصد الشريعة الكلية: فالإسلام كل لا يتجزأ، فمن المناسب جدًا أن يتكلم المرء عن نظام العاقلة في الديات ويربط ذلك بنظام النفقات والمواريث حتى يتضح جانب الغنم والغرم ، وكذلك عند الحديث عن نصيب الذكر والأنثى ينبغي أن يذكر بأن المرأة إن كانت زوجًا فنفقتها على زوجها، وإن كانت بنتًا فنفقتها على أبيها إن احتاجت ... إلخ.

ز. الاستفادة مما كتبه المعاصرون من العلماء الثقات في جميع جوانب الفقه وكذلك فتاوى المجامع الفقيه وهيئات كبار العلماء والموسوعات الفقهية ورسائل الماجستير والدكتوراة.

ح. الاستفادة من الوسائل المعاصرة التي تيسر الشرح من الرسوم والأشكال التي لا محظور فيها كما كان صلى الله عليه وسلم يستخدم الخط على الرمل وضرب المثال (13) .

المبحث الثاني: مبررات التجديد، وبواعثه، وهي:

(1) التغيرات الهائلة في الحياة المعاصرة (التقدم التقني في مجال الاتصالات والمجالات الصناعية والطبية وغيرها وكل ذلك يحدث وقائع تحتاج لأحكام شرعية، وبعضها كان موجودًا لكن بصفة مبسطة كمسائل الإجارة وأحكام الشركات) .

(2) سيطرة أنماط الحياة الغربية وأعرافها على كثير من جوانب الحياة، والذي يعيش في الأجواء الطبية يلاحظ هذا، بالإضافة إلى غزو القوانين الوضعية لكثير من بلاد المسلمين، وكل ما سبق يحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيه.

(3) الانبهار بالفكر الغربي، وتصدي بعض هؤلاء المبهورين - خاصة ممن درس في بلاد الغرب - للحديث عن قضايا شرعية ليسوا مؤهلين للخوض فيها، فزلوا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. ومن العجيب أنه لا يقبل من أحد أن يتحدث في تخصصه الدقيق إلا أن يكون من أهل الدار، وتجده يرتع في حمى الفقه، ويصدر الفتاوى بلا خطام ولا زمام، وربما استسهل الكلام في مسألة لو عرضت على عمر - رضي الله عنه - لجمع لها أهل بدر.

(4) الجمود الفقهي، والتعصب المذهبي، وقد استمر هذا الأمر ردحًا من الزمن، ولا زالت بقاياه، ومن الأمثلة على هذا الجمود وجود أكثر من مائة شرح وحاشية لأحد كتب بعض المذاهب الفقهية) (14) .، ومن الأمثلة على ذلك قول بعضهم عن كتاب (الهداية)

إن الهداية كالقرآن قد نسخت ... ما صنفوا قبلها في الشرع من كتب (15) .

المبحث الثالث: صفات المجدد:

(1) العلم:

فالمجدد في الفقه لابد أن يكون مالكًا لأدوات الاجتهاد فيما يجتهد فيه، كما هو مقرر في علم أصول الفقه، وأهم هذه الشروط:

(ب) العلم بالقرآن (فيعرف آيات الأحكام - والناسخ والمنسوخ منه - والعام والخاص - والمطلق والمقيد - وأسباب النزول) .

(ب) العلم بالسنة ( فيعرف مواقع أحاديث الأحكام، ولا يقتصر على الأمهات الست، ويعرف الصحيح والضعيف من الأحاديث، وعلم التاريخ والرجال، وأسباب الجرح والتعديل) . .

(ج) معرفة مسائل الإجماع.

(د) معرفة أصول الفقه ، وأن يتقن هذا العلم خاصة مباحث الألفاظ ودلالاتها، ومباحث القياس، وذلك لمسيس الحاجة إليها.

(هـ) معرفة اللغة العربية.

(و) أن يكون فقيه النفس، فيكون الفقه ملكة وسجية له، يستطيع بها استنباط الأحكام (16) كذلك لابد أن يلم بمقاصد التشريع، وفقه المصالح والمفاسد وفقه الخلاف.

(2) أن يكون عدلًا في دينه، ورعًا؛ فإنه إنما يوقع عن الله، ومن لم يكن كذلك فليس من المقبول أن يرتع في هذا الحمى، فالبيوت إنما تؤتى من أبوابها، وإذا كان من غير المقبول أن يمارس مدعي الطب هذه المهنة، فما بالك بمن يتكلم في أمر الحلال والحرام وهو ليس لذلك أهل. والمجدد لابد أن يكون من أصحاب المنطلقات الشرعية الصحيحة فأما من كان منطلقه في التجديد: إخضاع الإسلام للعقل والواقع، كما يظهر ذلك في كتابات بعض المعاصرين، فهولاء ليسوا من أهل التجديد المنشود.

(3) الاعتدال: بعيدًا عن الغلو والإفراط، فإن من الناس من هذا ديدنه فيقدم الأحوط دائمًا، وكذا سد الذريعة وإن لم يكن لهما مساغ، والأخذ بهما شرعًا له ضوابط وليس على إطلاقه، وكذلك يجب البعد عن التفريط والتساهل بحجة مجاراة العصر، وكذا البحث عن المخارج بكل وسيلة ممكنة، وهذا طبع موجود، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

(4) أن يكون المجدد قدوة لغيره: في سلوكه وحياته، حتى يستحق الشرف العظيم الذي يناط به.

*مجال التجديد: التجديد يكون في الفروع لا الأصول، وفي الظنيات لا القطعيات، وفي المتشابهات لا المحكمات.

المبحث الرابع: مزالق التجديد. وهي:

(1) المصلحة المتوهمة (الغلو في اعتبار المصلحة ولو على حساب النص) .

فالمصلحة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

أ. مصلحة معتبرة: شهد الشرع لها بالاعتبار وهي ترجع إلى حفظ الضرورات الخمس ( الدين والنفس والعقل والنسل والمال) (17)

ب. مصلحة ملغاة (18)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت