فهرس الكتاب

الصفحة 977 من 1226

من هذا الكلام نستفيد أمرين أحدهما الغرر الخفيف الذي يغتفر للحاجة وهو ما بني عليه المجلس جواز التكافل بأنواعه، والغرر الكبير المؤثر وهو أصل التحريم إلا أن المجلس تجاوز عن هذا الغرر إذا لم يمكن الاحتراز منه في البيئة الأوربية ولعل ذلك ما أشار إليه النووي بقوله:"أما ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز منه...".

ولهذا فإن هذه الفتوى مبنية على قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة في صورتي الغرر المغتفر في الأصل، وهو ما خف ودعت إليه حاجة وفي صورة المحرم اصلا وأشتدت وطأة الحاجة ولم يمكن الاحتراز في حالة التأمين التجاري في أوربا لفرضه بالقانون ولمسيس الحاجة المنزلة منزلة الضرورة إليه.

-الفرق بين التأمين التعاوني والتأمين التقليدي:

1-أن التأمين التقليدي يغلب عليه الغرر فيمكن أن يعبر عنه بأنه هو الغرر بعينه، كما قدمنا عن الباجي، وبالتالي فهو من الغرر الشديد الغالب المحرم، فلا تجيزه الحاجة إلا في ظروف استثنائية.

وأن التأمين التكافلي يخف فيه الغرر، وذلك لعنصر التبرع القائم عليه ومحدودية المؤمنين فتجيزه الحاجة وهذا هو الفرق الأول.

2-أن التأمين التكافلي عقد إرفاق ومعروف لأنه مبني في نيته على التعاون ولهذا يغتفر فيه الغرر كما قدمنا في مسألة:"أعني بغلامك على أن أعينك"في بحث الحاجة.

وكما في مسألة الدينار الناقص والطعام فإن أراد التبايع حرم وإن اراد الإقالة جاز لأنه معروف في بحث الحاجة.

بخلاف التأمين التقليدي فالقصد الغالب فيه التجارة وكسب الربح، ولهذا لا يجوز فيه الغرر، وهذا هو الفرق الثاني.

3-الفرق الثالث أن الغرر في التأمين التقليدي أصل لأن المؤسسة قائمة على كسبها من الحوادث التي لم تحصل بينما الغرر في التكافلي إضافي وتبعي، وقد قدمنا مسألة الظئر والرضيع عن المواق.

-العناصر الأساسية للتكافل

وأهم شيء في شركة التكافل ثلاثة عناصر:

1-عنصر التبرع وهو تبرع للمتضرر من أعضاء الشركة بجزء من الربح أو بالربح بكامله وهذا كما يجوز في المضاربة التبرع بجزء من رأس المال وهذا جائز لأنه يغتفر الغرر في التبرعات.

2-عنصر الشراكة وهو اعتبار كل قسط يدفع إلى الشركة، إنما هو قسط اشتراك وليس مدفوعًا في مقابل.

3-عنصر اتحاد الشخص ذي الجهتين بين المؤمن بصيغة اسم الفاعل والمؤمن بصيغة اسم المفعول سواء أداروا الشركة بأنفسهم كشركة أبدان وأموال، أو أداروها بواسطة جهاز إداري يمارس عملية وكالة بأجر.

أما بالنسبة للفتوى المتعلقة بالتأمين التجاري الذي أجازه المجلس في حالات محددة فإن الفتوى تستند إلى الحاجة الشديدة الناشئة عن الفرض بالقانون، أو الحرج الشديد والمشقة طبقًا لمقولة الشيخ تقي الدين ابن تيمية في حديثه عن الجوائح إن"الشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها مصلحة راجحة أبيح المحرم".

وهي مبنية من جهة أخرى على الخلاف الذي أسلفنا في مبحث الحاجة والذي يرجح به في العقود الفاسدة.

-توريث المسلم من أقاربه غير المسلمين

يرى المجلس عدم حرمان المسلمين ميراثهم من أقاربهم غير المسلمين ومما يوصون لهم به. وأنه ليس في ذلك ما يعارض الحديث الصحيح:"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم"الذي يتجه حمله على الكافر الحربي، مع التنبيه إلى أنه في أول الإسلام لم يحرم المسلمون من ميراث أقاربهم من غير المسلمين. وهو ما ذهب إليه من الصحابة معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان ومن التابعين جماعة منهم سعيد بن المسيب، ومحمد بن الحنفية، وأبو جعفر الباقر ومسروق بن الأجدع، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.

-الوفاء بالعقود

توقيع العقد في أي صفقة ملزم للطرفين شرعا، ولا يجوز لأحدهما أن يرجع فيه بإرادته المنفردة، دون رضا الطرف الآخر، فهذا مخالف لما أمر الله تعالى ورسوله -صلى الله علهي وسلم -، وأكدته نصوص القرآن والسنة.قال تعالى:"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ" [المائدة:1] وقال عزوجل:"وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا" [الإسراء:34] . وقال تعالى:"وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا" [النحل:91] .

وحمل القرآن بشدة على الذين يتهاونون بالعهود وينقضونها من بعد ميثاقها، في آيات كثيرة، منها:"إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [آل عمران:77] .

واعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم - نقض العهد من شعب النفاق، وخصال المنافق الأساسية"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها....و ذكر منها:"إذا عاهد غدر". رواه الشيخان عن عبدالله بن عمرو."

و ليس من الضروري أن يكون العقد مكتوبا، فمجرد الايجاب والقبول مشافهة يكفي في ايجاد العقد، ولكن له خيار المجلس على ما نرجحه، فلو تبين له عقد آخر، وهما لا يزالان في مجلس العقد، فمن حقه أن يرجع، كما جاء في الحديث الصحيح:"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"متفق عليه عن ابن عمر. فقد جعل الحديث فرصة للتراجع لمن تسرع في التعاقد دون روية.

و مثل ذلك لو كان مغبونا غبنا فاحشا يرفع أمره إلى جهة تحكيم تثبت له خيار الغبن إذا تبين لها ذلك، عملا بمذهب الحنابلة وغيرهم.

و يستطيع المسلم أن يخرج من ورطة التراجع في العقد بعد إتمامه إذا اشترط لنفسه الخيار أياما معدودة، يستطيع فيها أن يرجع في صفقته خلالها، وهذا ما نصح به النبي -صلى الله عليه وسلم- أحد الصحابة، حين شكا إليه أنه كثيرا ما يخدع في البيع، فقال له:"إذا بايعت فقل: لا خلابة"أي لا خداع، وهذا في الصحيحين، وفي خارج الصحيحين:"ولي الخيار ثلاثة أيام"والمسلمون عند شروطهم.

أما فيما عدا ذلك، فالمسلم يحترم كلمته إذا قالها، وهذه إحدى القيم التي دعا إليها الإسلام، حتى يستقر التعامل، وتستقيم حياة الناس. وقد قال الشاعر:

و لا أقول: (نعم) يومًا، وأتبعها بـ (لا) ولو ذهبت بالمال والولد

بل يحرم الاسلام أن يبيع المسلم على بيع أخيه، أي يدخل عليه وقد أوشك أن يعقد الصفقة مع الآخر، فيزايد عليه، ليختطف الصفقة منه، وفي هذا جاء الحديث الصحيح:"لا يبيع المسلم على بيع أخيه".

والله أعلم.

-مدى حق الموظف في استخدام الأدوات العامة لديه لمصلحته الشخصية:الأصل في المال العام أو شبه العام ونعني به مال الدولة والمؤسسات العامة والشركات الخاصة هو المنع، وخصوصًا أن نصوص الكتاب والسنة قد شددت الوعيد في تناول المال العام بغير حق، وقد جعل الفقهاء المال العام بمنزلة مال اليتيم في وجوب المحافظة عليه وشدة تحريم الأخذ منه، ويستثنى من ذلك ما تعارف الناس على التسامح فيه من الأشياء الاستهلاكية فيعفى عنه باعتباره مأذونًا فيه ضمنًا، على أن لا يتوسع في ذلك، مراعاة لأصل المنع، على أن الورع أولى بالمسلم الحريص على دينه، و"من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه".

-ضوابط التعامل بين الجنسين: اللقاء والتعاون والتكامل بين الرجال والنساء أمر فطري، ولا يمكن منعه واقعًا، ولم يرد في دين الفطرة ما يحجره بإطلاق، وإنما أحاطه بالضوابط التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت