5-ومنها: من له دين على شخص قد حل أجله فطالبه به فوجده معسرا بجميعه , ووجد عنده سلعة لا تفي به فأخذها منه في جميع الدين , ثم باعها له بأكثر من الدين , فهذا لا يجوز أيضا ; لأن السلعة التي خرجت من اليد وعادت إليها تعد لغوا , وكأنه فسخ ما في ذمة المدين في أكثر منه ابتداء فهو ربا الجاهلية (15) .
6-ومنها: ما جاء في الموطأ: ( قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل قال مالك هذا بيع لا يصلح , ولم يزل أهل العلم ينهون عنه قال مالك , وإنما كره ذلك ; لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه , ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة , ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه فهذا مكروه , ولا يصلح , وهو أيضا يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قال للذي عليه الدين إما أن تقضي , وإما أن تربي فإن قضى أخذوا , وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل ) . أهـ. قال الباجي: وهذا على ما قال ; لأن من كان له على رجل مائة دينار إلى أجل فاشترى منه عند الأجل سلعة تساوي مائة دينار بمائة وخمسين فقضاه دينه الأول , وإنما قضاه ثمن سلعته , وزاد خمسين دينارا في دينه لتأخيره به عن أجله فهذا يشبه ما تضمنه حديث زيد بن أسلم من بيوع الجاهلية في زيادتهم في الديون عند انقضاء أجلها ليؤخروا بها , ويدخله أيضا بيع وسلف ; لأنه إنما ابتاع منه هذه السلعة بمائة معجلة وخمسين مؤجلة ليؤخره بالمائة التي حلت له عليه , ووجوه الفساد في هذا كثيرة جدا (16) .
7-ومنها: ما جاء في فتاوى شيخ الإسلام:"وسئل عن رجل له مع رجل معاملة فتأخر له معه دراهم فطالبه وهو معسر فاشترى له بضاعة من صاحب دكان وباعها له بزيادة مائة درهم حتى صبر عليه . فهل تصح هذه المعاملة ؟ فأجاب: لا تجوز هذه المعاملة ; بل إن كان الغريم معسرا فله أن ينتظره . وأما المعاملة التي يزاد فيها الدين والأجل فهي معاملة ربوية وإن أدخلا بينهما صاحب الحانوت . والواجب أن صاحب الدين لا يطالب إلا برأس ماله لا يطالب بالزيادة التي لم يقبضها" (17) .
فإذا تقرر أن ما يجري عمله في بطاقتي الخير والتيسير إنما هو من قلب الدين المجمع على تحريمه، فإن من تعامل بها فإنه سيقع لازمًا بمخالفتين عظيمتين،:
أحدهما: الوقوع في ربا الجاهلية.
الثاني: التحايل على الربا.
وإليك إيضاح ذلك .
المخالفة الثانية:أنهما داخلتان في ربا الجاهلية"إما أن تقضي وإما أن تربي".
إن أسوأ أنواع الربا وأشدها تحريمًا هو ربا الجاهلية الذي يزيد فيه الدين لأجل تأخير الوفاء، فإذا حل الأجل قال الدائن:أتقضي أم تربي؟ ويقول المدين: أنظرني أزدك. وهذا هو الذي نزل فيه قوله تعال:يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون ) [ آل عمران:130] . (18) وقوله جل شأنه: ( أضعافًا مضاعفة ) بيان لما يؤول إليه حال الربا من تضاعف الدين في ذمة المدين وما يترتب عليه من الظلم الفادح وأكل المال بغير حق. والأمة مجمعة على تحريم هذا النوع من الربا تحريمًا قطعيًا لا يتطرق إليه أدنى شك.
وجه الشبه بين ربا الجاهلية و عمل البطاقتين:
أن ما يحدث في بطاقتي الائتمان المشار إليهما هو من هذا الباب، فالبنك المصدر للبطاقة يخير العميل بين وفاء دينه الذي حل أجله وبين تأخير الوفاء مع زيادة الدين في ذمته من خلال التورق، ثم إذا حل أجل الدين الجديد تكرر الأمر مرة أخرى، فينمو الدين ويتضاعف في ذمة المدين، وهذا عين ربا الجاهلية. ولا يؤثر في هذه الحقيقة كونها تتم من خلال سلع أو بضائع غير مقصودة لأي من الطرفين؛ فإن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالصور والمباني. والله شرع البيع والشراء لتحقيق مصلحة الطرفين، لا للاحتيال به على الربا.
ويؤيد ذلك ما ورد عن الإمام مالك: ( قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل قال مالك هذا بيع لا يصلح , ولم يزل أهل العلم ينهون عنه قال مالك , وإنما كُره ذلك ; لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه , ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة , ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه فهذا مكروه , ولا يصلح , وهو أيضا يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قال للذي عليه الدين إما أن تقضي , وإما أن تربي فإن قضى أخذوا , وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل ) . أهـ.
فالإمام مالك -رحمه الله - جعل هذه المعاملة التي فيها قلب للدين شبيهة بربا الجاهلية إما أن تقضي وإما أن تربي، و أما قول الإمام مالك"وإنما كُره ذلك"ليس المراد به الكراهة التي يحدها الأصوليون: ما نهي عنه نهيًا غير جازم، أو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، بل المراد بالكراهة عند السلف التحريم، خلافًا للمتأخرين فإنهم اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم (19) .
المخالفة الثالثة: أن فيهما تحايلًا على الربا.
من خلال ما سبق، تبين للباحث أن عمل البطاقتين ما هو إلا تحايل على الربا، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الاحتيال على ما حرمه الله تعالى بقوله:"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (20) .
وقال صلى الله عليه وسلم:"قاتل الله اليهود،حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" (21) .
وحقيقة الحيلة المحرمة أنها توسل بعمل مشروع لتحقيق غاية محرمة، فالبيع مشروع لكن التوسل به الزيادة الدين في ذمة المدين مقابل تأخير الوفاء توسل لغاية ونتيجة محرمة، فيكون البيع في هذه الحالة حيلة محرمة
قال الموفق:"ثبت من مذهب أحمد أن الحيل كلها باطلة" (22) ، وقال:"الحيل كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقدًا مباحًا يريد به محرمًا، مخادعة وتوسلًا إلى فعل ما حرم الله" (23) .