فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 1226

المسألة الرابعة: الميسرة مفعلة من اليسر واليسار ، الذي هو ضد الإعسار ، وهو تيسر الموجود من المال ، ومنه يقال: أيسر الرجل فهو موسر ، أي صار إلى اليسر ، فالميسرة واليسر والميسور الغنى .

المسألة الخامسة: قرأ نافع { إلى مَيْسَرَةٍ } بضم السين والباقون بفتحها ، وهما لغتان مشهورتان كالمقبرة ، والمشرفة ، والمشربة ، والمسربة ، والفتح أشهر اللغتين ، لأنه جاء في كلامهم كثيرًا .

المسألة السادسة: اختلفوا في أن حكم الأنظار مختص بالربا أو عام في الكل ، فقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا ، وذكر عن شريح أنه أمر بحبس أحد الخصمين فقيل: إنه معسر ، فقال شريح: إنما ذلك في الربا ، والله تعالى قال في كتابه { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا } [ النساء: 58 ] وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى: { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } قالت الاخوة الأربعة الذين كانوا يعاملون بالربا: بل نتوب إلى الله فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله ، فرضوا برأس المال وطلبوا بني المغيرة بذلك ، فشكا بنو المغيرة العسرة ، وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات ، فأبوا أن يؤخروهم ، فأنزل الله تعالى: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } .

القول الثاني: وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين: إنها عامة في كل دين ، واحتجوا بما ذكرنا من أنه تعالى قال: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } ولم يقل: وإن كان ذا عسرة ، ليكون الحكم عامًا في كل المفسرين ، قال القاضي: والقول الأول أرجح ، لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } من غير بخس ولا نقص ، ثم قال في هذه الآية: وإن كان من عليه المال معسرًا وجب إنظاره إلى وقت القدرة ، لأن النظرة يراد بها التأخر ، فلا بد من حق تقدم ذكره حتى يلزم التأخر ، بل لما ثبت وجوب الإنظار في هذه بحكم النص ، ثبت وجوبه في سائر الصور ضرورة الاشتراك في المعنى ، وهو أن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به ، وهذا قول أكثر الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي رضي الله عنهم .

المسألة السابعة: اعلم أنه لا بد من تفسير الإعسار ، فنقول: الإعسار هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه ، ولا يكون له ما لو باعه لأمكنه أداء الدين من ثمنه ، فلهذا قلنا: من وحد دارًا وثيابًا لا يعد في ذوي العسرة ، إذا ما أمكنه بيعها وأداء ثمنها ، ولا يجوز أن يحبس إلا قوت يوم لنفسه وعياله ، وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع البرد والحر عنهم ، واختلفوا إذا كان قويًا هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدين أو غيره ، فقال بعضهم: يلزمه ذلك ، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه ولعياله ، وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك ، واختلفوا أيضًا إذا كان معسرًا ، وقد بذل غيره ما يؤديه ، هل يلزمه القبول والأداء أو لا يلزمه ذلك ، فأما من له بضاعة كسدت عليه ، فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك ، ويؤديه في الدين .

المسألة الثامنة: إذا علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه ، وأن يطالبه بما له عليه ، فوجب الإنظار إلى وقت اليسار ، فأما إن كانت له ريبة في إعساره فيجوز له أن يحبسه إلى وقت ظهور الإعسار ، واعلم أنه إذا ادعى الإعسار وكذبه للغريم ، فهذا الدين الذي لزمه إما أن يكون عن عوض حصل له كالبيع والقرض ، أو لا يكون كذلك ، وفي القسم الأول لا بد من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك ، وفي القسم الثاني وهو أن يثبت الدين عليه لا بعوض ، مثل إتلاف أو صداق أو ضمان ، كان القول قوله وعلى الغرماء البينة لأن الأصل هو الفقر .

ثم قال تعالى: { وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم { تَصَدَّقُواْ } بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها ، والأصل فيه: أن تتصدقوا بتاءين ، فمن خفف حذف إحدى التاءين تخفيفًا ، ومن شدد أدغم إحدى التاءين في الأخرى .

المسألة الثانية: في التصدق قولان الأول: معناه: وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين إذ لا يصح التصدق به على غيره ، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به ، لأنه قد جرى ذكر المعسر وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما ، وهو كقوله { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة: 237 ] والثاني: أن المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام « لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة » وهذا القول ضعيف ، لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى ، فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة ، ولأن قوله { خَيْرٌ لَّكُمْ } لا يليق بالواجب بل بالمندوب .

المسألة الثالثة: المراد بالخير حصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة .

ثم قال: { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } وفيه وجوه الأول: معناه إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم إن عملتموه ، فجعل العمل من لوازم العلم ، وفيه تهديد شديد على العصاة والثاني: إن كنتم تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض والثالث: إن كنتم تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم .

وفي الظلال (1) :

إنها الحملة المفزعة , والتصوير المرعب:

(لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) . .

وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس ما تبلغه هذه الصورة المجسمة الحية المتحركة . . صورة الممسوسالمصروع . . وهي صورة معروفة معهودة للناس . فالنص يستحضرها لتؤدي دورها الإيحائي في إفزاع الحس , لاستجاشة مشاعر المرابين , وهزها هزة عنيفة تخرجهم من مألوف عادتهم في نظامهم الاقتصادي ; ومن حرصهم على ما يحققه لهم من الفائدة . . وهي وسيلة في التأثير التربوي ناجعة في مواضعها . بينما هي في الوقت ذاته تعبر عن حقيقة واقعة . . ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة , هو القيام يوم البعث . ولكن هذه الصورة - فيما نرى - واقعة بذاتها في حياة البشرية في هذه الأرض أيضا . ثم إنها تتفق مع ما سيأتي بعدها من الإنذار بحرب من الله ورسوله . ونحن نرى أن هذه الحرب واقعة وقائمة الآن ومسلطة على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في عقابيل النظام الربوي . وقبل أن نفصل القول في مصداق هذه الحقيقة من واقع البشرية اليوم نبدأ بعرض الصورة الربوية التي كان يواجهها القرآن في الجزيرة العربية ; وتصورات أهل الجاهلية عنها . .

إن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية والذي نزلت هذه الآيات وغيرها لإبطاله ابتداء كانت له صورتان رئيسيتان:ربا النسيئة . وربا الفضل .

فأما ربا النسيئة فقد قال عنه قتادة:"إن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى , فإذا حل الأجل , ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه".

وقال مجاهد"كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين , فيقول:لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه".

وقال أبو بكر الجصاص:"إنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة . فكانت الزيادة بدلا من الأجل . فأبطله الله تعالى". .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 46)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت