المسألة الثانية: اختلفوا في أن الخطاب بقوله { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله } خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا ، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا ، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا ، قال القاضي: والاحتمال الأول أولى ، لأن قوله { فَأْذَنُواْ } خطاب مع قوم تقدم ذكرهم ، وهم المخاطبون بقوله { ياأيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرباا } وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين .
فإن قيل: كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟
قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل ، كما جاء في الخبر « من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة » وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: « من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله » وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى: { إِنَّمَا جَزَاءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ المائدة: 33 ] أصلًا في قطع الطريق من المسلمين ، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وفي سنّة رسوله .
إذا عرفت هذا فنقول: في الجواب عن السؤال المذكور وجهان الأول: المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب والثاني: المراد نفس الحرب وفيه تفصيل ، فنقول: الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة ، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة ، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه ما نعي الزكاة ، وكذا القوم لو اجتمعوا على ترك الأذان ، وترك دفن الموتى ، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضُرِبت عنقه .
والقول الثاني: في هذه الآية أن قوله { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ } [ البقرة: 279 ] خطاب للكفار ، وأن معنى الآية { وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرباا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [ البقرة: 278 ] معترفين بتحريم الربا { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } ومن ذهب إلى هذا القول قال: إن فيه دليلًا على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان كافرًا ، كما لو كفر بجميع شرائعه .
ثم قال تعالى: { وَإِن تُبتُمْ } والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة الربا ، وعلى القول الثاني من استحلال الربا { فَلَكُمْ رُءُوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال ، ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال .
ثم قال تعالى: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال النحويون { كَانَ } كلمة تستعمل على وجوه أحدها: أن تكون بمنزلة حدث ووقع ، وذلك في قوله: قد كان الأمر ، أي وجد ، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر والثاني: أن يخلع منه معنى الحدث ، فتبقى الكلمة مجردة للزمان ، وحينئذ يحتاج إلى الخبر ، وذلك كقوله: كان زيد ذاهبًا .
واعلم أني حين كنت مقيمًا بخوارزم ، وكان هناك جمع من أكابر الأدباء ، أوردت عليهم إشكالًا في هذا الباب فقلت: إنكم تقولون إن { كَانَ } إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلًا وهذا محال ، لأن الفعل ما دلّ على اقتران حدث بزمان ، فقولك { كَانَ } يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي ، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة ، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلًا كانت تامة لا ناقصة ، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلًا ألبتة بل كانت حرفًا ، وأنتم تنكرون ذلك ، فبقوا في هذا الإشكال زمانًا طويلًا ، وصنفوا في الجواب عنه كتبًا ، وما أفلحوا فيه ثم انكشف لي فيه سر أذكره هاهنا وهو أن كان لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد ، إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين أحدها: أن يكون المعنى: وجد وحدث الشيء كقولك: وجد الجوهر وحدث العرض والثاني: أن يكون المعنى: وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء ، فإذا قلت: كان زيد عالمًا فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم ، والقسم الأول هو المسمى بكان التامة والقسم الثاني هو المسمى بالناقصة ، وفي الحقيقة فالمفهوم من { كَانَ } في الموضعين هو الحدوث والوقوع ، إلا أن في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه ، فلا جرم كان الاسم الواحد كافيًا ، والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر ، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافيًا ، بل لا بد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر ، وهذا من لطائف الأبحاث ، فأما إن قلنا إنه فعل كان دالًا على وقوع المصدر في الزمان الماضي ، فحينئذ تكون تامة لا ناقصة ، وإن قلنا: إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر ، وجميع خواص الأفعال ، وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية .
المفهوم الثالث: لكان يكون بمعنى صار ، وأنشدوا:
بتيهاء قفر والمطي كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
وعندي أن هذا اللفظ هاهنا محمول على ما ذكرناه ، فإن معنى صار أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك ، فيكون هنا بمعنى حدث ووقع ، إلا أنه حدوث مخصوص ، وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى .
المفهوم الرابع: أن تكون زائدة وأنشدوا:
سراة بني أبي بكر تسامى ... على كان المسومة الجياد
إذا عرفت هذه القاعدة فلنرجع إلى التفسير فنقول: في { كَانَ } في هذه الآية وجهان الأول: أنها بمعنى وقع وحدث ، والمعنى: وإن وجد ذو عسرة ، ونظيره قوله { إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً } بالرفع على معنى: وإن وقعت تجارة حاضرة ، ومقصود الآية إنما يصح على هذا اللفظ وذلك لأنه لو قيل: وإن كان ذا عسرة لكان المعنى: وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة ، فتكون النظرة مقصورة عليه ، وليس الأمر كذلك ، لأن المشتري وغيره إذا كان ذا عسرة فله النظرة إلى الميسرة الثاني: أنها ناقصة على حذف الخبر ، تقديره وإن كان ذو عسرة غريمًا لكم ، وقرأ عثمان { ذَا عُسْرَةٍ } والتقدير: إن كان الغريم ذا عسرة ، وقريء ( وَمَن كَانَ ذَا عُسْرَةٍ ) .
/المسألة الثانية: العسرة اسم من الأعسار ، وهو تعذر الموجود من المال؛ يقال: أعسر الرجل ، إذا صار إلى حالة العسرة ، وهي الحالة التي يتعسر فيها وجود المال .
ثم قال تعالى: { فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في الآية حذف ، والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة ، أو فالذي تعاملونه نظرة .
المسألة الثانية: نظرة أي تأخير ، والنظرة الاسم من الإنظار ، وهو الإمهال ، تقول: بعته الشيء بنظرة وبانظار ، قال تعالى: { قَالَ رَبّ أَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين * إلى يَوْمِ الوقت المعلوم } [ الحجر: 36 ، 37 ، 38 ] .
المسألة الثالثة: قرىء { فَنَظِرَةٌ } بسكون الظاء ، وقرأ عطاء ( فناظره ) أي فصاحب الحق أي منتظره ، أو صاحب نظرته ، على طريق النسب ، كقولهم: مكان عاشب وباقل ، أي ذو عشب وذو بقل ، وعنه فناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة إلى الميسرة .