فهرس الكتاب

الصفحة 875 من 1226

يجري ذلك كله، ولم ير العميل بضاعة في حياته، ولا رأى أطنان الحديد تلك، ولا سبق أن باع واشترى في السوق العالمية، بل إنه قد قبض النقود ولما يقتنع أبدًا بصحة ما قاله له البنك"الإسلامي"من أن تلك النقود ليست قرضًا يرده بزيادة، لم يقتنع بذلك لأن المعاملة كلها من أولها لآخرها تمامًا مثل معاملة القرض الربوي من البنك التجاري، مع اختلاف يسير في المدة الزمنية وكمية الأوراق التي يوقعها..

هذه الطريقة هي إحدى أشهر طرق القروض"الشرعية"التي تقدمها البنوك الإسلامية.

وحينما جرى النقاش مع بعض المسؤولين في تلك البنوك عن شرعية هذه المعاملة، أجاب بقوله: وما الخطأ في تلك المعاملة! البيع من البنك للعميل بالآجل صحيح، وتوكيل العميل للبنك بقبض البضائع صحيح، وبعض أهل العلم لم يشترط قبض البضائع من غير الأطعمة، ثم توكيله أيضا للبنك حتى يقوم ببيعها بالنيابة عنه صحيح فأين الخطأ في ذلك !

وهكذا فُتّت أكثر المعاملات الربوية المعاصرة، وغيرت تغييرات طفيفة في الشكليات وما يسمى بالعمل الورقي والمكتبي، وأصبحت المعاملة شرعية مائة بالمائة...

وهكذا عُطّلت مقاصد الشريعة الجزئية في باب البيوع، بل أتى الاقتصاد الإسلامي المعاصر بشكله الحالي بنقيض تلك المقاصد، الأمر الذي أدى وسيؤدي إلى انهيارات في الأسواق المالية بشتى صورها.

لقد كان بعض أهل العلم بعيدي النظر، يوم"تحجروا"في نظرتهم تجاه بعض تلك المعاملات المالية، وتجرأ كثير منهم الآن للبوح ببعض ما كان يكن في نفسه من رفض لشرعية تلك المعاملات، بل إن بعض أهل العلم ممن عرف عنه تساهله في تلك المعاملات، عاد ليقول الآن بأن الرأي القائل بعدم جواز التعامل في الأسهم بالطريقة الحالية قول وجيه، وقرأت مقالته تلك وأنا في حالة من الدهشة الممزوجة بالغضب، لكنه زال حينما وجدت أحد المعلقين على تلك المقالة معلقا على تلك المقالة بطريقة عامية بقوله:"ومن ورط الناس في تلك التعاملات يا شيخ فلان؟"نعم من أوقعهم في ورطة تلك التعاملات؟ ألم تساهم تلك الفتاوى في تشجيع الناس - ولو بصورة غير مباشرة - للدخول في تلك التعاملات؟.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تلك الفتاوى والتي أقبل عليها الناس، وأقبلت عليها القنوات الفضائية ومواقع الانترنت فنشرتها، ساهمت في إضعاف أو حتى إخماد الصوت الرافض لهذا النهج الاقتصادي، فقليل هم الذين سمعوا قول بعض أهل العلم الذي يمنع من بيع وشراء الأسهم في سوق الأسهم، وقليل هم أولئك الذين تأملوا في أسباب ذلك المنع، والتي منها المشابهة الكبيرة بين عمليات شراء الأسهم وبيعها بعمليات المقامرة المحرمة، فالمتاجر بالأسهم يشتري الأسهم التي يظن أن قيمتها سترتفع، ويراقب شاشة الأسهم، وما أن ترتفع إلا وقام ببيعها مباشرة حتى ولو كان بين عملية البيع والشراء دقائق، هذا مع العلم بأن ارتفاع وانخفاض الأسهم عدا رهين عوامل غير رئيسية التأثير فيما لو كان السهم سلعة حقيقة تمثل جزءًا شائعًا من ممتلكات الشركة - كما يقال عادة - فالتضاعف أو الانخفاض الفلكي للقيمة السوقية للسهم، لمجرد سمعة، أو شائعة، أو توقعات كبار المستثمرين، أو نحو ذلك مما يقرب السهم من سهم القمار، الذي ليس له قيمة حقيقية.

ولا يمكن أن يقارن هذا الارتفاع والانخفاض بما يحدث لبعض السلع الحقيقية التي يزداد الطلب عليها، لأن حدوث ذلك لتلك السلع إنما هو حدوث مؤقت طارئ محدود ومرتبط ارتباطًا وثيقًا بحاجة الناس إلى تلك السلعة، ثم إن العلماء قد تحدثوا عما يجب علي ولي الأمر تجاه هذا الارتفاع في قيمة بعض السلع التي يحتاجها الناس، فلا يمكن مقارنة هذا بتلك الارتفاعات الفلكية التي تحصل في سوق الأسهم، والتي أصبحت السمة الغالبة على طبيعة تلك الأسهم.

لقد كان الشيخ الدكتور الصديق الضرير موفقًا وثاقب النظر يوم أن ذهب إلى القوم بأن بيع الأسهم وشرائها يجوز إذا كان بينة تملك ما يصدق عليه السهم وهو الحصة الشائعة من ممتلكات الشركة، ويمنع من هذا البيع والشراء إذا كان من أجل المتاجرة بالسهم بالطريقة التي نشاهدها في أسواق الأسهم.

في النصف الثاني من العقد المنصرم استشرى بين أصحاب الدخل المحدود من الطبقة المثقفة في الخليج العربي، وبالذات في السعودية المتاجرة بالأسهم العالمية، مثل مايكروسوفت، وانتل، وجي إي، وغيرها، جرى بحث مع بعض الباحثين وطلبة العلم، في حكم هذه المتاجرة، وعرضت ورقة تشير إلى أن هذا النوع إنما هو أقرب إلى المقامرة منه إلى المتاجرة المشروعة، ناهيك أن ينبغي علينا أن نعيد النظر في تكييف الأسهم من الناحية الفقهية، فهل هي ورقة مالية جديدة قائمة بذاتها بعد أن يبدأ التعامل بها في السوق، أم أنها صك إثبات تَملّك حامله لجزء مشاع من الشركة؟ وكان الميل في البحث المعروض إلى أنها ورقة مالية قائمة بذاتها ومستقلة، فجاءت النصيحة من بعض الأخوة أن لا تنشر هذه الآراء، أو التساؤلات، لأنها ستثير السخرية من قبل الجميع...أما الآن - ولست أدري هل هو بعد فوات الأوان أم لا - فإن الكثير تجرء على التصريح بذلك ..

لكن بالرغم من هذا كله، فأنه لا يستبعد أن تكون هذه الهزة الاقتصادية مجرد حدث عابر، ستسارع ذاكرتنا للفه في طي النسيان، كما طوى النسيان ما يسمى بالاثنين الأسود، ومناخ الكويت وغيرها، ولن يلبث المتعاملون في الأسهم، وطائفة من المشايخ، وطلبة العلم، إلا ويعيدوا الكرة من جديد، وهكذا دواليك..

هذا، ويبدوا للباحث أن أحد أهم أسباب مشكلات ممارسات الاقتصاد الإسلامي الآن عدم التمييز بين مجرد جواز المعاملة، وبين اتخاذ هذه المعاملة نهجًا اقتصاديًا متبعًا، وشتان بين مجرد الإباحة، والسنة، وهذا وإن كان لا يصدق في بعض الأمثلة، إلا أنه يصدق في أمثلة كثيرة جدًا، ولذا فلا يجوز أن تتخذ مجرد الإباحة دليلا على جواز شيوع معاملة من المعاملات، أو فعل من الأفعال، فلو ذهب إنسان إلى أن صلاة الجماعة في المسجد غير واجبة، وتخلف عن الحضور في المسجد ليصلي جماعة مع أهل بيته، فربما توجه الكفّ عن إنكار هذا الاجتهاد عليه، لكن لو أصبح هذا ديدن أهل قرية أو مدينة من المدن، لتعطلت المساجد، وتعطلت شعيرة من أهم شعائر الإسلام!! فوجب الإنكار حينئذ.

وفي المعاملات الاقتصادية، فإن بيع المرابحة للآمر بالشراء جائز عند الجمهور، لكن البنوك الإسلامية اتخذته أصلا ووسيلة للتمويل، فأصبح سنة متبعة، وليس مجرد معاملة جائزة، فنتج عن ذلك صور كثيرة من التمويل، وثيقة الشبه بالربا المحرم، ففي التمويل العقاري مثلا، يقوم البنك بتفويض المشتري ليشتري المنزل الذي يريده بالنيابة عن البنك مرابحة، فيقوم المشتري بشراء المنزل من أجل البنك، ويقوم بدفع القيمة التي أخذها من البنك كوكيل في الشراء للمالك، وحالما يوقع هذا العقد، يقوم بإجراء عقد آخر يتم من خلاله شراء المنزل من البنك بالتقسيط، بصرف النظر عن تولى هذا العميل طرفي العقد أم لا، المهم أن المنزل ينتقل من المالك الأصلي إلى ملك البنك لمدة ثوان معدودات، ثم ينتقل مرة أخرى بمعاملة أخرى إلى ملك العميل من خلال شرائه له بالتقسيط، والصورة الكلية للمعاملة تظهر وكأن البنك أقرض العميل مالا ليشتري به منزلا، على أن يرد العميل هذا المال بالتقسيط مع زيادة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت