فهرس الكتاب

الصفحة 874 من 1226

فإن الانهيار الأخير في سوق الأسهم السعودي لم يكن حدثا غريبا على"طبيعة سوق الاسهم"، دع عنك أنه كان حدثًا متوقعًا وبشكل كبير جدًا لكل مراقب لتلك الأرقام الفلكية التي وصل إليها حجم التداول وقيمته في الشهور التي سبقت ذلك الإنهيار ..

أما أنه لم يكن حدثًا غريبًا فإن أي دارس في مجال الأسهم لا بد وأن يكون قد قرأ عن انهيارات الأسهم العالمية بدا بيوم الاثنين الأسود عام 1987 ومرورا بسوق المناخ في الكويت سنة 1982 ثم انهيارات الاسهم العالمية في أواخر القرن الميلادي الماضي.

أما أنه كان حدثًا متوقعًا فذلك راجع لعدة أسباب منها تلك الطبيعة التاريخية"لهذا السوق"، ومنها -بل من أهمها - مساهمة هذا السوق الرئيسية في انتاج أو صناعة نوع جديد من الأموال، يمكن تسميتها بالأموال الرقمية، فلم يكتف النظام الاقتصادي الربوي الرأس مالي بتلك الطريقة القديمة التقليدية في ما اصطلح على تسميتها"صناعة النقود"، أو"creation of money"حتى أطل بطريقة جديدة، هي أنكى من سابقتها في صناعة المال الوهمي، إذ إنها - أي الصناعة - ضنت على الناس حتى بقيمة الورق الذي تطبع عليه العملات الورقية، فاكتفت بأصفار رقمية تصنعها الدوائر الكهربائية التي تشكل العنصر الأساسي في شاشات تداول الأسهم في البورصات العالمية والمحلية ...

حجم التداول وصل مؤخرا إلى أرقام لم يكن يعرفها الإنسان إلا من خلال معادلات رياضية نظرية بحته، كالترليون مثلا، هذه الأرقام لا تعكس في الواقع قيمة لأي سلعة حقيقة تمثل الغطاء الفعلي لها، وإنما هي مجرد"أرقام"عائمة، سرعان ما تتهاوى عند أي ضربة مالية لانعدام الغطاء الحقيقي لها.

هذا"الغطاء الحقيقي"كان موضع إصرار من شريعتنا المعجزة، وفقهائنا الأوائل، حيث شدد الشارع الحكيم على"التقابض"، والتعامل يدًا بيد لا سيما عند التعامل بنوعين رئيسيين مما يحتاجه البشر في حياتهم أولها الأثمان - كالذهب والفضة وما يقوم مقامهما- التي تعتبر وسائط البيع والشراء وتقويم الأشياء، فحديث عبادة بن الصامت عن النبي e أس في هذا؛ (الذهب بالذهب و الفضة بالفضة و البر بالبر و الشعير بالشعير و التمر بالتمر و الملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) وثانيها المكيل أو الموزون من الأقوات، أو لتقل طعام البشر والحيوان...

فالمبادلة بين الأثمان عمدة الحركة الاقتصادية في أي مجتمع من المجتمعات، فضبطها بضوابط من الخالق تجعل من هذا التعامل حركة اقتصادية تساهم في نماء المجتمع من خلال توزيع عادل للثروة التي قسمها الشارع بين البشر، وتمنع من احتكاره في أيدي الأغنياء، كما تمنع صناعة النقود المشار إليها سالفا، فكانت قيود الشريعة فيه وفيما يقوم مقامه لا سيما إذا تم التبادل المباشر بينهما من أدق القيود وأشدها.

وزيادة في إحكام الطوق على من تسول له نفسه الالتفات على تلك القيود، نهت الشريعة عن بيع ما لم يحوزه الإنسان، ونهته عن بيع ما لم يقبضه، ونهته عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاع المشتري كما جرى فيه صاع البائع، كل ذلك بإعجاز تشريعي، لا يلمسه إلا من تأمل في مشكلات العالم الاقتصادية، وصورها، وجذورها، وأسبابها.

لكن العجب لا ينقضي بعد -وقد عرفنا هذا كله - يوم أن نرى انتشار التساهل في هذه الضوابط بحجة الحاجة لذلك نظرًا لتعقد أمور الاقتصاد المعاصرة وتعذر التعامل مع"حرفية"نصوص الشريعة الواردة في أحكام البيع والشراء، لقد استشرى هذا التساهل، حتى فقد الاقتصاد الإسلامي تميزه، وسعيه لتحقيق أهداف لا يمكن تحققها إلا بالعودة إلى تلك الضوابط بدون أي التفاف"مشروع"عليها، حتى لو أدى ذلك إلى التعامل الحرفي مع بعض تلك النصوص.

وفي خضم هذه الضغوط المتزايدة على فقه البيوع والربا المعاصر انحنت بعض الفتاوى في هذا المجال لتلك الضغوط لتتخذ منهجًا خطيرًا للغاية، لا يدرك خطورته إلى المراقب لحال الاقتصاد الإسلامي الآن وما يمر به من أزمات سواء على مستوى المجتمع؛ ومن أمثلتها ما حدث في سوق الأسهم السعودي، أو على مستوى الأفراد؛ كتلك المديونيات الهائلة التي يتحملها كثير من الأشخاص بسبب دخولهم في"قروض"، أو شراء بالآجل، حتى ولو كان متوافقا مع"الشريعة الإسلامية".

هذا المنهج يكمن في اتكاء فقه الاقتصاد الإسلامي المعاصر على ثلاثة أسس:

1-تفتيت المعاملة الاقتصادية موضوع البحث، لعدة عمليات مستقلة، والنظر إلى كل عملية مستقلة بمعزل عن النتيجة النهائية لتلك المعاملة بمجملها، فمثلا التعامل بالأسهم في سوق الأسهم، بدل أن ينظر إليه كحركة اقتصادية متكاملة، نظر إلى كل عملية من عملياته على حدة، فما هو إلا مجرد بيع وشراء، والبيع والشراء مباح في الشريعة، والسهم ما هو إلا جزء شائع في ممتلكات الشركة، وبيع جزء شائع في الملك جائز لتعذر التعيين، وقبض المنقولات بنقلها، أما ما لا ينقل كجزء من مصنع، أو من شركة فيحصل بتخليته، وما أبيح للفرد يباح للجماعة ..

2-تتبع الأيسر والأسهل من أقوال الفقهاء بصرف النظر عن علة كل قول ومأخذه، و فالقبض مثلا لم يشترطه المالكية وبعض الفقهاء الآخرين إلا في الطعام، وبيع الوفاء أباحه الحنفية، أجازه بعض العلماء، والشرط الجزائي حتى لو كان ماليا أباحه طائفة م الفقهاء، وهكذا ...

3-التعامل الحرفي مع نصوص الفقهاء، وفتاوى المجامع الفقهية، وإغفال النظر عن مآل تلك المعاملة لا سيما مع تكررها واتخاذها منهجًا اقتصاديًا تسير عليه المجتمعات، فالوعد ملزم قضاء، والعربون جائز، وهامش الجدية -وهو مبلغ مقدم يدفعه المريد للبيع والشراء لصاحب السلعة أو الممول من أجل إظهار جديته في المعاملة المراد تنفيذها - جائز، وبيعتان في بيعه مباح في أصله، وشرط وبيع مباح في أصله كذلك، وهكذا..

إن العمل بأي واحد من تلك الأسس على حدة، يمكن أن يؤدي إلى مخالفات عديدة إذا ما نظر إلى النتيجة المترتبه عليه - أو مآله -، فكيف حينما يعمل بها كلها مجتمعة !!

لقد رأينا معاملات اقتصادية كثيرة، لا تختلف عن الربا المحرم إلا اختلافات شكلية يسيرة بالإضافة إلى الاسم، ومع ذلك أجازتها الهيئات الشرعية لتلك البنوك، ولعلي أضرب لذلك مثلا بالقروض التي تقدمها بعض البنوك الإسلامية.

يأتي العميل إلى البنك الإسلامي طالبا قرضًا، فيجيبه بأنه لا يقدم قروض أبدًا -فالقرض عملية غير نفعية، أو هو عملية خيرية، وليس عملية ربحية، وهو خلاف الأصل في المعاملات البنكية والتجارية - لكن عوضًا عن القرض، فإن البنك يقوم بعملية استثمار أو تمويل مباح، حيث يقوم ببيع العميل أطنانًا من الحديد أو غيره من المعادن - بخلاف الذهب والفضة حتى تكون المعاملة شرعية !- بسعر آجل، ثم بعد ذلك يقوم العميل بتوكيل البنك ببيع تلك الأطنان من الحديد في السوق العالمية، وفعلا يبيع البنك - أو شركة عاملة له - تلك البضائع في السوق العالمية بالنقد، ويأخذ هذا النقد ويسلمه للعميل ...

تستغرق هذه العملية بضعة أيام أو أسبوعا واحدًا ما بين طلب العميل، وحصوله على النقد، وحينما يحصل على النقد فإن البنك يقول له، هذا ليس قرضًا، ولكنه قيمة البضاعة التي بعناك إياها بالآجل، ثم بعناها عنك بالعاجل ! وعليك الآن أن تسدد لنا على أقساط قيمة تلك البضاعة، علما أن مجموع الأقساط - طبعًا - سيكون أكبر من القيمة التي حصل عليها العميل..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت