أن هناك أصلًا جامعًا للمنهيات والمأمورات قائمًا على العدل والقسط ، فالشارع لا يأمر إلا بما فيه صلاح الناس في دينهم ودنياهم ، ولا يحرّم عليهم إلا ما فيه ضرر وفساد عليهم في دينهم ودنياهم ، ولا يشذ عن هذا القاعدة شيء كما ذكر الله تعالى في وصف شريعته الغراء الخالدة على الزمن ، الصالحة لكل زمان ومكان فقال: { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ... (157) } الأعراف . وقال سبحانه: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ .. (29) } وقال: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33) }
فكل ما أباحته الشريعة الإسلامية قسط وعدل ، وصلاح وخير ، ومنافع للناس ، وكل ما نهت عنه وحرمته ، ظلم وجور ، وفساد وضرر، ومن تتبع أحكام الشريعة الإسلامية يجدها لا تخرج عن هذا الأصل الأصيل ، ومن ذلك المعاملات المالية .
القاعدة الثالثة:
الأصل في المعاملات التجارية الإذن ، والإباحة والحل - فلا يمنع ولا يحرم إلا ما ورد الشرع بتحريمه ومنعه ، قال الله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا }
وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (29) } .
ومعنى (بالباطل) بالحرام كالربا والغرر والجهالة وبيعتين في بيعة ..الخ .
وهذا شامل لجميع أنواع التجارات فمتى جمعت التجارة والمعاملة المالية ، الرضى المعتبر شرعًا ، والصدق والبيان والعدل وعدم الغرر، وعدم الغش ، وعدم الخداع ، وعدم التغرير ، وتوفرت شروط البيع الصحيح التي استنبطها فقهاء الإسلام من كتاب الله تعالى الفرقان وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المأمور بالبيان ، عن تراض بين البائع والمشتري ، وكون البائع والمشتري جائز التصرف ، وكون المبيع مالًا، والمبيع ملكًا للبائع ، قادرًا البائع على تسليم المبيع للمشتري ، والمشتري قادر على دفع الثمن ، والمبيع مباحًا، والثمن معلومًا، والمبيع معلومًا، لكل من البائع والمشتري ، إما بمشاهدة ورؤية ، وإما بوصف - وان لا يكون البيع معلق بشرط ، فلا بد من التنجييز في البيع - يعني: إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع .
القاعدة الرابعة:
تأكيدًا لما قبله حرّم الشارع الحكيم بعض المعاملات رحمة منه بعباده لما فيها من الضرر ، فحرّم الإسلام الربا والقمار والميسر والغرر لأن في الغرر مخاطرة ؛ لكونه مجهول العاقبة - المفضية إلى النزاع والشقاق والخصام والغبن والتحسر والتألم الذي من أجله حرّم الخمر والميسر: { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) } المائدة. أقول:
حرّم التغرير بالناس والتدليس والغش والخداع .
حرّم بيع الحاضر للبادي - أي لا يكون له سمسارًا .
وحرّم تلقي الركبان . وحرّم بيعتان في بيعة .
القاعدة الخامسة:
أن لا يشتمل عقد البيع على ترك واجب كالبيع بعد نداء الجمعة الثاني ، أو وسيلة لفعل محرّم كبيع العنب لمن يتخذه خمرًا ، وما شابه ذلك .
والخلاصة أن المعاملات المالية تدور مع المصلحة الراجحة ، وتبتعد عن المفاسد الراجحة ، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية والعز بن عبد السلام والشاطبي وابن القيم وغيرهم: (( إن الشريعة ما جاءت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل وذلك بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، فهي ترجّح خير الخيرين ، وتدفع شر الشرين ، وتحصّل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ) ).
ثانيًا: وقبل الإجابة - على السؤال - أود أن أشكر الأخ الدكتور/ سامي السويلم الذي قام مشكورًا بدراسة نظام الشركة وموقف حكومات الغرب منها ، وتكيفه للموضوع - وإبدائه وجهة نظره ، ومن حقه ومن حق كل طالب علم شرعي يملك آلة الاجتهاد والاستنباط ومعرفة الأشباه والنظائر ، وأن يتبين موقف الشريعة الإسلامية فيما يجد من قضايا العصر المتشابكة في إطار قواعد الشريعة الإسلامية .
أما رأي في التعامل مع شركة (( بزناس كوم ) )- بيعًا وشراء فلا يجوز ، وذلك لما يلي:
1-العقد اشتمل على غرر ، ومقامرة ، وبينه وبين (يانصيب) شبه كبير كما ظهر لي .
2-اشتمل العقد على مضمون نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الحاضر للبادي.
3-اشتمل على بيعتين في بيعة .
(( توضيح لبعض الفقرات السابقة ) )
لقد حرّم الإسلام الميسر - القمار - فقال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (219) } البقرة.
وقال أيضًا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91) } المائدة .
هذه الآيات معناها كما قال علماء التفسير: (( إن الله سبحانه وتعالى جمع هذه المحرمات الأربع: الخمر ، الميسر ، الأنصاب والأزلام في آية واحدة ، حيث قرن الميسر - القمار - بالخمر والأنصاب والأزلام - نظرًا لما للميسر من إشغال للقلب والفكر عن مصالح الدين والدنيا ، وإيقاد نار العداوة والبغضاء بين أصحابه ، وقليله يدعو إلى كثيره ، ويفعل بالعقل والفكر ما يفعل الخمر ويصير صاحبه عاكف عليه عكوف شارب الخمر على خمره ؛ لأنه لا يستحي ولا يخاف كما يخاف شارب الخمر .
وقد ثبت عن الصحابة أن الميسر مذهب للعقل سالب للمال ، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (( أن مفسدة الميسر أعظم من مفسدة الربا ، لأنه يشتمل على مفسدتين مفسدة أكل المال الحرام ، ومفسدة القمار المحرم ) ) [مجموع الفتاوى:ج32/237] .
ولم يفرق فقهاء الإسلام بين الميسر والقمار والغرر إلا في صور يسيرة - والغرر حرام كما ثبت نهي الرسول صلى الله عليه وسلم ، عنه في أحاديث عدة في صحيح مسلم غيره: (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ) )