فهرس الكتاب

الصفحة 806 من 1226

أولًا: أن المسلمين مطالبون بتوفير المال الحلال الطبيب الذي لا شبهة فيه، قال _تعالى_:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا" [البقرة: 168] "فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا" [النحل: 114] ويقول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه..." (48)

قال الحافظ ابن حجر:"واختلف في حكم الشبهات، فقيل: التحريم . وهو مردود، وقيل: الكراهة ، وقيل: الوقف"ثم قال:"... رابعها: أن المراد بها المباح، ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه، بل يمكن حمله على ما يكون من قسم الخلاف الأولى..."ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه أنه كان يقول:"المكروه عقبة بين العبد الحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام... وهو منزع حسن" (49)

ثانيًا: أن الشريعة الإسلامية الغراء مبناها على رفع الحرج ودفع المشقة، وتحقيق اليسر والمصالح للأمة، فقد قال الله _تعالى_:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" [الحج: 78] وقال _تعالى_:"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" [البقرة: 185] ، وهذا المبدأ من الوضوح ما لا يحتاج إلى دليل، بل هو مقصد من مقاصد الشريعة .

وبناء على هذا الأصل العظيم أبيحت المحظورات للضرورة،"فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ" [البقرة: 173] .

وكما أن الضرورة مرفوعة كذلك نزلت الحاجة منزلة الضرورة، يقول السيوطي، وابن نجيم وغيرهما:"الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت، أو خاصة"ولهذا جوزت الإجارة والجعالة، ونحوها (50)

يقول الشيخ أحمد الزرقاء:"والمراد بالحاجة هي الحالة التي تستدعي تيسيرًا، أو تسهيلًا لأجل الحصول على المقصود فهي دون الضرورة من هذه الجهة وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمرًا، والثابت للضرورة مؤقتًا..." (51)

ومن الأمثلة الفقهية لهذه القاعدة ما أجازه فقهاء الحنفية من بيع الوفاء مع أن مقتضاه عدم الجواز؛ لأنه إما من قبيل الربا؛ لأنه انتفاع بالعين بمقابلة الدين، أو صفقة مشروطة في صفقة كأنه قال: بعته منك بشرط أن تبيعه مني إذا جئتك بالثمن، وكلاهما غير جائز، ولكن لما مست الحاجة إليه في بخارى بسبب كثرة الديون على أهلها جوز على وجه أنه رهن أبيح الانتفاع بثمراته ومنافعه كلبن الشاة، والرهن على هذه الكيفية جائز. (52)

ومن هذه الاجتهادات ما ذكره ابن عابدين أن مشايخ بلخ ، والنسفي أجازوا حمل الطعام ببعض المحمول، ونسج الثوب ببعض المنسوج لتعامل أهل بلادهم بذلك، وللحاجة مع أن ذلك خلاف القياس ، وأن متقدمي الحنفية صرحوا بعدم جوازه (53) وذكر أيضًا أن بعض قدماء الحنفية لما سئلوا عن النسبة المئوية التي يأخذها السمسار مثل 10? قالوا: ذاك حرام عليهم، وإنما يجب لهم أجر المثل . بينما أجازه بعضهم مثل محمد بن سلمة، حيث سئل عن أجرة السمسار فقال: أرجو أنه لا بأس به -وإن كان في الأصل فاسدًا- لكثرة التعامل، وكثير من هذا غير جائز فجوزوه لحاجة الناس إليه... (54)

ولهذه القاعدة أدلة عملية من السنة المشرفة، منها أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أباح بيع العرايا (55) مع أن أصلها يدخل في باب الربا، حيث لم يجوز _صلى الله عليه وسلم_ بيع التمر بالرطب (56) لوجود النقصان، وعدم تحقيق التماثل الحقيقي، ومع ذلك أباح العرايا لحاجة الناس إليها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وأباح بيع العرايا... عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا..." (57) ويقول أيضًا:"الشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم" (58) ويقول:"والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه في البيع لأجل نوع الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك" (59)

ثالثًا: لا ينكر دور العرف وأثره في الفقه الإسلامي ما دام لا يتعارض مع نصوص الشرعية، يقول ابن نجيم:"واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذك أصلًا..."ثم قال:"والحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص، ولكن أفتى كثير من المشايخ باعتباره، فأقول على اعتباره أن يفتى بأن ما يقع في بعض أسواق القاهرة من خلو الحوانيت لازم، ويصير الخلو في الحانوت حقًّا له، فلا يملك صاحب الحانوت إخراجه منها، ولا إجارتها لغيره ولو كانت وقفًا، وقد وقع في حوانيت الجملوث بالغورية أن السلطان الغوري لما بناها أسكنها للتجار بالخلو، وجعل لكل حانوت قدرًا أخذه منهم، وكتب ذلك بمكتوب الوقف ، وكذا أقول على اعتبار العرف الخاص".

ويقول ابن نجيم مضيفًا إلى ما سبق من مسائل:"وقد اعتبروا عرف القاهرة في مسائل، منها ما في فتح القدير من دخول السلم في البيت المبيع في القاهرة دون غيرها؛ لأن بيوتهم طبقات لا ينتفع بها إلا به". (60) بل إن المحققين من العلماء لا يبيحون لعالم يفتي إلا بعد معرفته بأحوال الناس، وأعرافهم، وأن يلاحظ عرف كل بلد، وفي هذا يقول ابن القيم:"... فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه..." (61)

رابعًا: أننا -نحن المسلمين اليوم- لا نعيش عصرًا يطبق فيه المنهج الإسلامي بكامله، فيسوده نظامك الإسلام السياسي، والاقتصادي والاجتماعي والتربوي، وإنما نعيش في عصر يسوده النظام الرأسمالي ، والاشتراكي، وحينئذ لا يمكن أن نحقق ما نصبو إليه فجأة من أن تسير المعاملات بين المسلمين على العزائم دون الرخص، وعلى المجمع عليه دون المختلف فيه، وعلى الحلال الطيب الخالص دون وجود الشبهة، فعصرنا يقتضي البحث عن الحلول النافعة حتى ولو قامت على رأي فقيه واحد معتبر ما دام رأيه يحقق المصلحة للمسلمين، بل لا ينبغي اشتراط أن نجد رأيًا سابقًا، وإنما علينا أن نبحث في إطار المبادئ والأصول العامة التي تحقق الخير للأمة، ولا يتعارض مع نص شرعي ثابت.

علينا أن نبحث عن تحقيق نظام اقتصادي، علينا أن نبحث بجد عن حماية أموال المسلمين، وإبقاء اقتصادهم بأيديهم دون سيطرة غيرهم عليه، فننظر إلى هذا الأفق الواسع لشيخ الإسلام العز بن عبد السلام حيث يقول:"لو عم الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيها حلال جاز أن يستحل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات؛ لأنه لو وقف عليها لأدى ضعف العباد، واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإسلام، ولا نقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام" (62)

حكم هذا القسم من الأسهم:

بعد ذكر تلك المبادئ نعود إلى حكم هذا القسم من الأسهم، واختلاف المعاصرين، وأدلتهم مع الترجيح.

لقد اختلف المعاصرون على رأيين:

الرأي الأول: هو حرمة التصرف في هذه الأسهم ما دامت لا تقوم على الحلال المحض ، وبعضهم فضل وجود هيئة رقابة شرعية لها (63)

الرأي الثاني: إباحة الأسهم (السابقة) والتصرف فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت