ومسألة الهبوط والارتفاع يختلف سببها في الأسهم عن سببها في النقود، فتغير قيمة الأسهم يعود إلى نشاط الشركة نفسها، حيث ترتفع عندما تزداد أرباحها ، أو تزداد معها موجودات، وثقة الناس بها، وتنخفض عند الخسارة، ومثل ذلك كمثل شخص أو شركاء لهم سلع معينة فباعوها بأرباح جيدة فزادت نسبة مال كل واحد منهم بقدر الربح، وكذلك تنقص نسبة مال كل واحد منهم لو فقد منها بعضها، أو هلك، أو بيعت السلعة بخسارة، فهذا هو الأنموذج المصغر للأسهم في الشركات .
أما الورقة النقدية فيعود انخفاضها إلى التضخم ، وإلى الأنظمة الدولية بهذا الخصوص وسياسة الدولة في إصدار المزيد من الأوراق النقدية التي قد لا يوجد لها مقابل حقيقي، وغير ذلك من العوامل الاقتصادية ، بينما السهم يمثل ذلك المبلغ الذي تحول إلى جزء من الشركة ممثل في أصولها وموجوداتها.
الأمر الثاني: الذي أثير حول هذا النوع من الأسهم هو ما أثير حول شرائها، أو بيعها من ملحوظات ثلاث نذكرها مع الإجابة عنها. (35)
الملحوظة الأولى: الجهالة، حيث لا يعلم المشتري علمًا تفصيليًّا بحقيقة محتوى السهم.
للجواب عن ذلك نقول: إن الجهالة إنما تكون مانعة من صحة العقد إذا كانت مؤدية إلى النزاع، أو كما يعبر عنها الفقهاء بالجهالة الفاحشة (36) يقول الإمام القرافي:"الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعًا كالطير في الهواء، وقليل جائز إجماعًا كأساس الدار...، ومتوسط اختلف فيه" (37) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيع المغيبات كالجزر، واللفت والقلقاس:"والأول -أي القول بصحة بيعها وهو مذهب مالك وقول أحمد - أصح...، فإن أهل الخبرة إذا رأوا ما ظهر منها من الورق وغيره وهم ذلك على سائرها، وأيضًا فإن الناس محتاجون إلى هذه البيوع، والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك، كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق... وأباح بيع العرايا بخرصها فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر ، وهذه قاعدة الشريعة، وهو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما" (38) ويقول الأستاذ الصديق الضرير:"الغرر الذي يؤثر في صحة العقد هو ما كان في المعقود عليه أصالة، أما الغرر في التابع... فإنه لا يؤثر في العقد" (39)
فالواقع أن المشتري يعلم علمًا إجماليًّا كافيًا بقيمة السهم، وما يقابله من الموجودات من خلال نشر الميزانية ونشاط الشركة ونحو ذلك، وهذا العلم يكفي لصحة البيع بالإضافة إلى أن العلم في كل شيء بحسبه.
ثم إن بيع الحصص المشاعة جائز بالاتفاق ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ."يجوز بيع المشاع باتفاق المسلمين، كما مضت بذلك سنة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_" (40) يراجع: المغني (5/45) ؛ والمجموع (9/292) ؛ ويراجع: د. صالح بن زابن: المرجع السابق ص (348) والمصادر السابقة الأخرى .
الملحوظة الثانية: أن بيع السهم يعني بيع جزء من الأصول، وجزء من النقود، وهذا يقتضي ملاحظة قواعد الصرف من التماثل والتقابض في المجلس بين الجنس الواحد، والتقابض فيه عند اختلاف الجنس؛ وذلك لأن السهم في الغالب يكون مساويًا لموجودات الشركة بما فيها النقود.
للجواب عن ذلك أن وجود النقود في الأسهم يأتي تبعًا غير مقصود؛ لأن الأصل والأساس فيها هي الموجودات العينية، ولذلك تقول: إن بيع السهم قبل بدء عمل الشركة وقبل شراء المباني ونحوها، لا يجوز إلا مع مراعاة قواعد الصرف.
فالسهم يراد به هذا الجزء الشائع من الشركة دون النظر إلى تفصيلاته فما دام للسهم مقابل من موجودات الشركة لا يعامل معاملة النقد بسبب أن جزءًا من الموجودات نقد، والقاعدة الفقهية تقضي أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره، وأنه يغتفر في الشيء ضمنًا ما لا يغتفر فيه قصدًا، قال السيوطي:"ومن فروعها... أنه لا يصح بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع، فإن باعه مع الأرض جاز تبعًا..." (41)
بل إن مسألتنا هذه لها أصل مقرر في السنة المشرفة، حيث إن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أجاز شراء عبد وله مال -حتى وإن كان نقدًا- فيكون ماله تبعًا للمشتري إذا اشترط ذلك دون النظر إلى قواعد الصرف فقد روى البخاري ومسلم ، وغيرهما بسندهم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول:"ومن ابتاع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" (42) قال الحافظ ابن حجر:"ويؤخذ من مفهومه أن من باع عبدًا ومعه مال وشرطه المبتاع أن البيع يصح"ثم ذكر اختلاف العلماء، فيما لو كان المال ربويًّا، حيث ذهب مالك إلى صحة ذلك ولو كان المال الذي معه ربويًّا لإطلاق الحديث؛ ولأن العقد إنما وقع على العبد خاصة والمال الذي معه لا مدخل له في العقد (43) قال مالك:"الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إن اشترط مال العبد فهو له، نقدًا كان أو دينًا أو عرضًا يعلم أو لا يعلم..." (44)
الملحوظة الثالثة: إن جزءًا من السهم يمثل دينًا للشركة وحينئذ لا يجوز بيعه بثمن مؤجل؛ لأنه يكون بيع الدين بالدين وهو منهي عنه حيث روي أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ -أي: الدين بالدين- (45)
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الحديث ضعيف؛ لأن في سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف (46) فلا ينهض حجة، كما أن الحديث فُسِّرَ بَعْدُ تفسيراتٌ لا يدخل موضوعنا في أكثرها.
الوجه الثاني: لا ينطبق عليه بيع الدين بالدين، إذ إن هذا الجزء من ديون الشركة داخل في السهم تبعًا، وحينئذ يكون الجواب السابق في الملحوظة الثانية جوابًا لهذا الإشكال بكل تفاصيله.
الوجه الثالث: ليس الحكم السابق -في كون الدين جزءًا من السهم- عامًّا، إذ قد لا توجد الديون للشركة، وإنما تتعامل بالنقد ، وعلى فرض وجودها فهي تمثل نسبة قليلة من موجودات الشركة، والقاعدة الفقهية تقضي بأن العبرة بالأكثر. (47)
والخلاصة أن الأسهم التي تقوم على الحلال ، وتتبع الشركات التي تمتنع عن مزاولة أي نشاط محرم، وتتوافر فيه قواعد الشركة من المشاركة في الأعباء، وتحمل المخاطر، ولا تكون لهذه الأسهم ميزة مالية على غيرها... فهي حلال لما ذكرناه، ويجوز إنشاؤها، والتصرف فيها؛ وذلك لأن ذلك كله داخل في حدود التصرفات المباحة التي أجازها الشارع للمالك في ملكه، امتثالًا لقوله _تعالى_:"وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ" [البقرة: 275] والأدلة الأخرى التي ذكرنا بعضها.
القسم الثاني: أسهم لم تتوافر فيها الشروط السابقة.
وهي الأسهم التي ليست لشركات تزاول المحرمات -كالنوع الأول- ولا لشركات قائمة على الحلال -كالقسم الأول- وإنما هي أسهم لشركات قد تودع في بعض الأحيان بعض فلوسها في البنوك بفائدة، أو تقترض منها بفائدة، أو قد تكون نسبة قليلة من معاملاتها تتم من خلال عقود فاسدة كمعظم الشركات في الدول الإسلامية ، والشركات في الدول غير الإسلامية مما يكون محلها أمورًا مباحة كالزراعة، والصناعة والتجارة (أي فيما عدا المحرمات السابقة في النوع الأول) .
وقبل أن أذكر حكم هذه الأسهم أود أن أبين جملة من المبادئ الشرعية في هذا الصدد منها: