فهرس الكتاب

الصفحة 787 من 1226

12ـ الدراسة الواعية والناقدة للأفكار والملل والنحل المغايرة لمنهج أهل السنَّة ، مع الحذر من أهلها ، وتمكين العقلية الإسلاميَّة من أدوات الفهم والنظر والمعرفة لرصد الانحرافات الفكرية ، ومعالجتها على ضوء الشريعة ، وممَّا يبيِّن أهميَّة ذلك أنَّه تعالى فصَّل لنا وسائل وأساليب وحجج المجرمين ، وردَّ عليها داحضًا لها ، فمعرفة وفقه المداخل التي يدخل بها أهل الزيغ والهوى لإقناع من يريدون ضمَّه إليهم ، أصلٌ نبَّه عليه تعالى فقال: (وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) ،ولهذا يقول حذيفة بن اليمان: (كان الناس يسألون رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ عن الخير ، وكنت أسأله عن الشرِّ مخافة أن يدركني) أخرجه البخاري في صحيحه برقم: (7084) ومسلم برقم: (1847) فمعرفة الشرِّ وأهله منهج أساس لأهل السنة والجماعة وكشف خُدَعه ، كما يقول قائلهم:

عرفت الشَّرَّ لا للشَّر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الخير من الشَّر يقع فيه

13ـ إذا شعر المرء أو غلب على ظنِّه بأنَّه قد يفتن في دينه ؛ فلا ينبغي له قراءة كتب أهل الهوى والزيغ ، ولو قصد بذلك الردَّ عليهم ، ومناقشة شبههم ، لأنَّ درء المفاسد عن هذا المرء مقدَّمة على جلب المصالح في الذبِّ عن هذا الدين ، بل ينأى المسلم بنفسه عن الشبهات، ولا يجعلها متهافتة على قبولها ، ويجعل نفسه مطمئنَّة إلى الاستيقان بعظمة هذا الدِّين ، وثبات أصوله ، فيخلِّي قلبه ونفسه من متابعة الشبهات ، ولا يجعلها لاقطة لأي تشكيك في دين الإسلام ، ومن تأمَّل قوله تعالى: (فلمَّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) وقوله: (ولكنِّكم فتنتم أنفسكم وتربَّصتم وارتبتم) علم أنَّ بعض النفوس تتطاير على منافذ الشبهات والضلالات ـ عياذًا باللَّه ـ وحين بلغ عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رجلًا يقال له: صبيغ بن عسْل قدم المدينة وكان يسأل عن متشابه القرآن ، بعث إليه عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه ـ وقد أعد له عراجين النخل، فلما دخل عليه وجلس قال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. قال عمر: وأنا عبد الله عمر، وأومأ عليه، فجعل يضربه بتلك العراجين؛ فما زال يضربه حتى شجه، وجعل الدم يسيل عن وجهه، قال: حسبُك يا أمير المؤمنين! فقد والله ذهب الذي أجد في رأسي» أخرجه الآجرِّي في الشريعة/صـ75، واللالكائي بسنده في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (4 / 703) وقد صحَّح ابن حجر إحدى روايات هذا الأثر في الإصابة (5/169) كما ذكره محقِّق كتاب اللالكائي.

14ـ التربية للنشء بما يرضي الله ، والتحاور معه بتبيين فساد شبهات أهل الزيغ والهوى ، مع قوَّة الإقناع، وأدب الحوار ، فالتنشئة الصحيحة على التحصين العقدي هي أول عمليَّة في التربية ؛ بتربيتهم على العقيدة الصحيحة ، وحماية ذواتهم من العبث الفكري ، وبناء الشخصية الإسلاميَّة التي لا تؤثِّر فيها تيَّارات التشكيك ، وإرسالهم إلى المربِّين الثقات لتربيتهم على أصول ديننا ، وقد قال أيوب السختياني: (إنَّ من سعادة الحدث والأعجمي ، أن يوفِّقهما الله لعالم من أهل السنَّة) شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة للالكائي (1/60) ليكون أهل التربية معينين لهم على تقوية عقيدتهم ، ودرء عبث غزاة الأفكار والعقول عنها ، مع التحذير الملازم لهم بخطر الأخذ عن غير أهل السنَّة، وإن استطعنا منعهم من ذلك فهو الأحسن ، إلاَّ أنَّ المنع لابد أن يكون بإقناع لهم ، وقد يكون منعهم متعذرًا في هذا الزَّمن ، لأنَّهم قد يمنعوا فتأتيهم ردَّة فعل تجعلهم يصرُّون على ما سيطالعونه أو يسمعونه ، ولكن الأسلوب التربوي يرجِّح أن يناقش الأب أو المربِّي ذلك الشاب ويبيِّن له أوجه الخطأ التي وقع بها أهل الضلال ، فلا منع مطلق ، ولا إباحة مطلقة ، بل إباحة وفق ضوابط وتحذير ودعم تربوي.

وقد يقول قائل: إنَّ منهج جمع من السلف الصالح منع الناس من سماع البدع والشبهات ؛ وحقًَّا فإنَّ ذلك الأفضل ولا شك، ولكنَّ السلف الصالح في ذاك الزمن كانت قاعدته هي الإسلام وقيمه ومبادئه ، وكان الأمر إليهم وبيدهم ، وأمَّا الآن ليس لنا من قوَّة الإسلام ما كان ، وحقيقة فإنَّ النَّاس في هذا الزمن للفتنة أقرب منهم للإسلام ، وتربيتهم الآن تكون بقوَّة الكلمة الحقَّة التي تصنع المنهج، وتقنع المخاطب...

إنَّها حكمة في الأمور وتربية تستدعي التَّأمل والنظر في المآلات (ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور) فمن الضروري إذًا أن نبني جيلًا محصَّنًا ـ بإذن الله ـ من لقاحات الشبهات ، وطُعمِ الشكوك ، ليكونوا على قوَّة في دينهم تجاه الهجمات الشرسة التي يواجهها أهل الإسلام من أعدائه.

ولعلِّي في هذا المقام أذكر قصَّة حدَّثتني بها إحدى القريبات الداعيات ، توضح كيف أنَّ العامل الثقافي له دوره الرئيس في تشكيل هويَّة النشء ، فقد كانت هذه القريبة مدرسة للمواد الشرعيَّة ، وفي إحدى الأيَّام دخلت على أحد صفوف المرحلة الابتدائيَّة الأولى لتدرِّس الطلاب كتاب التوحيد ، وحين بدأت بشرح عقيدة المسلمين بأنَّ الله عالٍ على عرشه ، انتفض أحد الطلاَّب وقال:كلا يا أستاذة ، فلا يجوز لنا أن نقول: إنَّ الله فوق السماء عالٍ على عرشه ، بل هو في كلِّ مكان ، ومن قال بأنَّ الله فوق السماء ، فقد كفر ! فأجابته المعلِّمة قائلة له: لا يجوز أن تقول ذلك لأنَّ اعتقاد المسلمين ؛ أنَّ الله عال على عرشه وهو ـ جلَّ وتعالى ـ فوق خلقه ، ومن خالف هذه العقيدة فإنَّه كافر ، وإياك أن تقول هذا الكلام مرَّة أخرى ، فأجابها ذلك الطالب قائلًا:كلا سأقول ذلك ، لأنَّ هذه عقيدتي وهكذا ربَّاني والدي وهو شيخ ، وأنا مقتنع بكلامه ، وبقيت هذه المعلمة تجادل ذلك الطالب ، وفي اليوم التالي جاءت المعلمة للفصل ، وحين قالت للطلاب: أخرجوا كتاب التوحيد ، رفض بعض الطلاَّب وقالوا: يا أستاذة:كيف تدرِّسيننا هذا الكتاب وفيه كفر، ووالد هذا الطالب شيخ وهو يقولُ بأنَّ كتابنا فيه كفر ، وفي زمن حديث الطلاب مع معلمتهم حول ذلك ، كان الطالب يشير لأصدقائه الطلاب بإشارات النصر ، ويوافقهم على حديثهم،ويؤيدهم على ألاَّ يخرجوا الكتاب من الدرج!

شاهد ما أحببت التنبيه إليه ، أنَّ هذا الطالب تبيَّن أنَّه من فرقة الأحباش الضَّالَّة ، التي جمعت من الكفر والضلال الشيء الكثير، ولو تأمَّلنا كيف أنَّ أهل البدع يدرِّسون أبناءهم العقائد الضَّالة، ويحصِّنوهم من أي عقيدة واردة عليهم ، بل يدعوهم لمناقشة من يخالفهم ، فضلًا عن التحذير منهم ومن كتبهم ، ويعلمون أبناءهم حقَّ الرد والجرأة في الدعوة لملَّتهم ونحلتهم ؛ لرأينا من ذلك شيئًا عجبًا ، فأين أهل السنَّة من دعوة أبنائهم بمثل ذلك ؟

وأين هم من ترسيخ العقيدة الصافية في عقول أبنائهم وتعليمهم كيف يثبتون عليها ويناضلون عنها ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت