عموم الأحاديث في النهي عن بيع الربوي بجنسه إلا مثلًا بمثل ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ) )
ووجه الدلالة: أن وجود شيء مع الربوي يمنع من تحقق المساواة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فلا يصح البيع إلا بفصل الربوي وحده .
ويناقش:
بأن شرط المساواة متحقق فيما إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره ، بأن يجعل الربوي المخلوط بما يقابله من المفرد ، وما فضل من المفرد بالخِلط الذي مع الربوي .
الدليل الثالث:
أن العقد إذا جمع عوضين مختلفي القيمة ، كان الثمن مقسطًا على قيمتهما على الشيوع ، لا على أعدادهما .
يوضح ذلك أصلان:
أحدهما: أن من اشترى شقصًا (55) .من دارٍ وعبدًا بألف فاستحق الشقص بالشفعة كان مأخوذًا بحصته من الثمن اعتبارًا بقيمته وقيمة العبد ولا يكون مأخوذًا بنصف الثمن .
الثاني: أن من اشترى عبدًا وثوبًا بألف ثم استحق الثوب أو تلف كان العبد مأخوذًا بحصته من الألف ، ولا يكون مأخوذًا بنصف الألف .
وبتطبيق ذلك على العقد هنا يلزم الفساد لأن العقد يتردد بين أمرين: إما العلم بالتفاضل أو الجهل بالتماثل ، وكلاهما مفسد للعقد ، لأنه يجوز أن تكون قيمة المد الذي مع الدرهم أقل أو أكثر أو يكون درهمًا لا أقل ولا أكثر ، فإن كان أقل أو أكثر كان التفاضل معلومًا ، وإن كان درهمًا كان التماثل مجهولًا ، لأن التقويم ظن وتخمين والجهل بالتماثل - في باب الربا -كالعلم بالتفاضل ، ولذلك لم يجز بيع صبرة بصبرة بالظن والخرصِ (56) .
نوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:
الأول: أن انقسام الثمن بالقيمة لغير حاجة لا دليل عليه (57) .
الثاني: (( أن مطلق المقابلة تحتمل مقابلة الجنس بالجنس على سبيل الشيوع من حيث القيمة كما قلتم ، وتحتمل مقابلة الجنس بخلاف الجنس .. إلا أنا لو حملناه على الأول لفسد العقد ، ولو حملناه على الثاني لصح ، فالحمل على ما فيه الصحة أولى ) ) (58) .
الثالث: وعلى فرض التسليم بأن التماثل مبني على الظن ، فإن بيع الربوي بالربوي على سبيل التحري والخرص جائز عند الحاجة ، إذا تعذر الكيل أو الوزن ، كما يقول ذلك مالك والشافعي وأحمد في بيع العرايا بخرصها (59) .
الدليل الرابع:
أن هذا العقد ممنوع سدًا لذريعة الربا ، فإن اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح وارد ، كبيع مائة درهم في كيس بمائتين جعلًا للمائة في مقابلة الكيس ، وقد لا يساوي درهمًا (60) .
القول الثاني:
الجواز إذا كان ما مع الربوي تابعًا .
فيجوز بيع الفضة التي لم يقصد غشها بالخالصة مثلًا بمثل .
وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (61) .
، اختارها شيخ الإسلام ابن تيميه في أحد قوليه (62) .استدل أصحاب هذا القول:
بقوله عليه الصلاة والسلام: (( من ابتاع عبدًا له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ) ).
ووجه الدلالة منه: أن الحديث دل على جواز بيع العبد بماله إذا كان قصد المشتري للعبد لا للمال ، فيجوز البيع سواء كان المال معلومًا أو مجهولًا ، من جنس الثمن أو من غيره ، عينًا كان أو دينًا ، وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو أكثر (63) .
ويقاس عليه إذا كان الذي مع الربوي تابعًا غير مقصود (64) .
ويناقش:
بأن الربوي في مسألة مد عجوة ودرهم مقصود بالعقد ، أما المال الذي مع العبد فالمقتضي لجواز بيعه بثمن من جنسه كونه تابعًا غير مقصود بالأصالة ، ولا يصح قياس إحدى المسألتين على الأخرى لأمرين:
الأول: أن الربوي إذا كان تابعًا غير مقصود لا يتصور كون العقد حيلة على الربا ، بخلاف ما إذا كان غير الربوي هو التابع .
الثاني: أنه إذا بيع الربوي بما يساويه من جنسه ومع أحدهما جنس آخر غير مقصود ، فإن ذلك يؤدي إلى التفاضل ، لأن غير الربوي له قسط ولو يسيرًا من قيمة العوض المفرد .
القول الثالث:
جواز بيع الربوي بجنسه ومعه من غير جنسه بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره ، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسهما .
وهذا مذهب الأحناف (65) .، ورواية عن الإمام أحمد ، اختارها شيخ الإسلام ابن تيميه في أشهر قوليه (66) ، وقيد الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية الجواز بقيدٍ آخر وهو ألا يكون القصد من هذه المعاملة التحايل على الربا ، وذلك بأن يكون لما مع الربوي قيمة حقيقية (67) .
وجوز الشافعية في وجه ضعيف عندهم: إذا باع مدًا ودرهمًا بمد ودرهم ، والدرهمان من ضرب واحد ، والمدان من شجرة واحدة فإنه يصح (68) .
فعلى هذا القول: من باع سيفًا محلى بثمن أكثر من الحلية ، وكان الثمن من جنس الحلية جاز وذلك لمقابلة الحلية بمثلها ذهبًا كانت أم فضة ، والزيادة بالنصل والحمائل والجفن (69) .
فإن تساوى المفرد مع المضموم إليه غيره ، أو كان المفرد أقل بطل البيع ، لتحقق التفاضل ، وكذا إذا لم يدر الحال لاحتمال المفاضلة أو الربا .
قال في الهداية: (( ولو تبايعا فضة بفضة أو ذهبًا بذهب ، وأحدهما أقل ، ومع أقلهما شيء آخر تبلغ قيمته باقي الفضة جاز البيع من غير كراهية ، وإن لم تبلغ فمع الكراهة ، وإن لم يكن له قيمة كالتراب لا يجوز البيع ) ) (70) .
فإن تساوى المفرد مع المضموم إليه غيره ، أو كان المفرد أقل بطل البيع ، لتحقق التفاضل ، وكذا إذا لم يدر الحال لاحتمال المفاضلة أو الربا .
قال في الهداية: (( ولو تبايعا فضة بفضة أو ذهبًا بذهب ، وأحدهما أقل ، ومع أقلهما شيء آخر تبلغ قيمته باقي الفضة جاز البيع من غير كراهية ، وإن لم تبلغ فمع الكراهة ، وإن لم يكن له قيمة كالتراب لا يجوز البيع ) ) (71) .
نوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الواجب حمل العقد على ما يقتضيه من صحة وفساد ، وليس تصحيح العقد ، ولو كان ما قالوه أصلًا معتبرًا لكان بيع مد تمر بمدين جائزًا ليكون تمر كل واحد منهما بنوى لآخر (72) .
الثاني: أن هذا منتقض (( بمن باع سلعة إلى أجل ثم اشتراها نقدًا بأقل من الثمن الأول فإنه لا يجوز عند الأحناف مع إمكان حمله على الصحة ، وهما عقدان يجوز كل واحد منهما على الإفراد ، فجعلوا العقد الواحد هاهنا عقدين ليحملوه على الصحة فكان هذا إفسادًا لقولهم ) ) (73) .
الدليل الثاني:
أن الربا إنما حرم لما فيه من ظلم يضر المعطي ، وقد يكون في هذه المعاوضة مصلحة للعاقدين هما محتاجان إليها ، كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة ، والمنع من ذلك مضرة عليهما ، والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة ، ويوجب المضرة المرجوحة ، كما قد عرف ذلك من أصول الشرع (74) .
الترجيح:
باستعراض الأقوال المتقدمة وأدلتها نجد أن الفريق الثالث يستند إلى البراءة الأصلية بينما استدل الفريقان الأول والثاني على المنع بأدلة لا تخلو من مناقشة:
فحديث فضالة بن عبيد - وهو عمدة المانعين - لا يسلم الاستدلال به للاحتمالات الواردة عليه ، وهي احتمالات قوية ، والقاعدة أن الدليل إذا طرأ عليه الاحتمال ، وكان الاحتمال قويًا ، بطل به الاستدلال .
وأجوبة الفريق الأول عن هذه الاحتمالات غير وجيهة لأن الثابت في صحيح مسلم أن الذهب الذي في القلادة أكثر من الثمن .
وأما الدليل العقلي فقد أجيب عنه .