عرفنا فيما تقدم أن موجودات الشركات المساهمة لا تخلو من كونها خليطًا من أنواعٍ متعددةٍ من الأموال ، ولكن أغلب هذه الموجودات في الشركات حديثة التأسيس تكون من النقود ، فعلى قول من يرى أن للأسهم حكم العروض مطلقًا فلا إشكال في تداول أسهم هذه الشركات بقيمتها السوقية بغض النظر عن موجوداتها ، لأن الحكم للأعيان مطلقًا ، اكتفاءً بمبدأ الخلطة ، فلا يشترط للبيع تقابض ولا تماثل ولو كانت النقود أو الديون هي الغالبة.
أما على رأي من يرى أن حكم بيع الأسهم له حكم بيع موجوداتها فإنه ينظر إلى الأغلب من تلك الموجودات ، فيعطي الأسهم حكم الأغلب فإن كانت الأعيان هي الغالبة ، فله حكم بيع الأعيان ، وإن كانت النقود هي الغالبة ، فله حكم المصارفة ، وإن كانت الديون هي الغالبة فله حكم بيع الديون .
وإلى هذا القول ذهب مجلس مجمع الفقه الإسلامي بجدة (28) .
ويجري على هذا القول - الثاني - الخلاف بين الفقهاء المتقدمين فيما إذا بيع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما ، وتعرف بمسألة (( مد عجوة ودرهم ) ) (29) .
وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
1.المنع مطلقًا .
2.الجواز إن كان المفرد أكثر من الذي معه غيره ، أو كان مع كل واحد منهما من غير جنسه .
3.الجواز إن كان غير الربوي تابعًا .
وقبل الشروع في ذكر الخلاف وما يترتب عليه وحجج كل فريق ، يحسن أولًا تحرير محل النزاع في المسألة .
فثمت مسائل اتفقت هذه الأقوال عليها:
1-إن باع ما فيه الربا بغير جنسه ، ومعه من جنس ما بيع به ، إلا أنه - أي الربوي - تابع غير مقصود ، فإن كان يسيرًا ، فالبيع جائز ، قال ابن قدامة: (( لا أعلم فيه خلافًا ) ) (30) .
ووجود الربوي في هذا البيع كعدمه .
وذلك مثل أن يشتري دارًا مموهًا سقفها بالذهب ، بذهب ، أو بدار سقفها مموه بالذهب .
وتتفاوت المذاهب في تحديد القدر الذي يتسامح فيه بوجود الربوي في الصفقه ، فنجد المذهب الشافعي أشد هذه المذاهب ثم المالكي والحنبلي ثم الحنفي .
فالشافعية يضبطون ذلك بأن يكون الربوي يسيرًا تابعًا بالإضافة إلى المقصود ، كبيع حنطة بشعير ، وفيها أوفي أحدهما حبات من الآخر يسيرة (31) .
والحنابلة يحددون ذلك بأن يكون الربوي التابع يسيرًا غير مقصود ، كالملح فيما يعمل فيه ، أو كثيرًا لمصلحة المقصود كالماء في خل التمر والزبيب (32) .
بينما يرى المالكية جواز بيع المحلى إذا بيع بنقد من غير جنسه بثلاثة شروط:
الأول: أن تكون الحلية مباحة ، كتحلية السيف والخاتم ونحوهما ، فإن كانت محرمة كالثياب فلاتجوز.
الثاني: أن تكون الحلية مسمرة .
الثالث: أن يباع معجلًا من الجانبين ، لأن العقد اجتمع فيه بيع وصرف .
فإن بيع بجنسه فيشترط إضافة إلى ما تقدم شرط رابع وهو أن تكون الحيلة بقدر الثلث فأقل .
ومع هذه الشروط فالمالكية يرون أن العقد مشتمل على المصارفة ولذا اشترطوا التقابض .
وفيما سوى ذلك لا يجوز بيع ما فيه فضة أو ذهب بنوع ما فيه منهما إلا أن يكون ما فيه من الفضة والذهب إذا نزع لم يجتمع منه شيء له بال فلا بأس حينئذٍ ببيعه بنوع ما فيه نقدًا أو نسأً ، لأن وجود النقد كعدمه (33) .
ويقيد الحنفية ذلك بما إذا كان النقد يسيرًا كالتمويه اليسير الذي لا يحصل منه شيء يدخل في الميزان بالعرض على النار ، فوجود الربوي في هذه الحالة لا يؤثر (34) .
ويرى الإمام الأوزاعي: إن كانت الحلية تبعًا وكان الفضل في الفضل جاز بيعه بنوعه نقدًا وتأخيرًا (35) .
2-لا أعلم خلافًا بين العلماء أنه إذا بيع ربوي بجنسه ومع أحدهما من غير جنسه ، وكان كل منهما - أي الربوي وغير الربوي - مقصودًا في العقد ، فيجب التقابض بين العوضين .
فحتى الأحناف الذين يرون صحة البيع لا ينازعون في أن العقد يشتمل على الصرف فيجب فيه التقابض .
قال في الهداية: (( إن باع سيفًا محلى بمائة درهم ، وحليته خمسون فدفع من الثمن خمسين جاز البيع وكان المقبوض حصة الفضة .. فإن لم يتقابضا حتى افترقا بطل العقد في الحلية ) )قال في الشرح: (( لأنه صرف فيها ) ) (36) .
3-إذا بيع النقد من غير جنسه ومع أحدهما أو كليهما متاع ، كما لو بيع ذهب بفضة وثوب ، أو ريالات بدولارات وكتاب ، وحصل التقابض في المجلس ، صح العقد عند الجمهور مطلقًا مجازفة كان أو متفاضلًا أو متساويًا لاختلاف الجنسين ، ويصح عند المالكية أيضًا بشروطهم السابقة (37) .
فإذا بيع الربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما ، وكان كل من الربويين مقصودًا في العقد ، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
المنع مطلقًا .
وهذا مذهب الجمهور من المالكية (38) ، والشافعية (39) ، والحنابلة في الرواية المشهورة (40) والظاهرية. (41) .
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
الدليل الأول:
ما روى فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ، وهي من المغانم تباع ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الذهب بالذهب وزنًا بوزن ) ) (42) .
ووجه الدلالة منه: (( أنه أمر بنزع الخرز وإفراد الذهب ليمكن بيعه ، ولو جاز بيعه مع الخرز لما احتاج إلى وزنه ، ثم قال: (( الذهب بالذهب وزنًا بوزن ) )فنبه بذلك إلى أن علة إفراده بالبيع أن يتحقق فيه الوزن بالوزن )) (43) .
نوقش هذا الاستدلال من جهتين:
الأولى: من حيث ثبوته:
فإن الحديث مضطرب ، فقد روي بألفاظٍ مختلفة (44) ، ، ففي بعض الروايات أنه اشترى قلادة (( فيها خرز وذهب ) ) (45) .
وفي بعضها (( ذهب وجوهر ) ) (46) . ، وفي بعض الروايات أنها بيعت (( باثني عشر دينارًا ) ) (47) ، وفي بعضها (( بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير ) ) (48) .
أجيب:
(( بأن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفًا بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه وهو النهي عن بيع ما لم يفصل ، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب الحكم بالاضطراب ، وحينئذٍ فينبغي الترجيح بين رواتها ، وإن كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم ، وتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة ) ) (49) .
الثانية: من حيث دلالته:
فإن الحديث لا دلالة فيه على المقصود لأمرين:
الأول: أنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم رده لأن ذهب القلادة أكثر من ذهب الثمن بدليل ما جاء في بعض روايات مسلم: (( أنه اشتراها باثني عشر دينارًا ، قال: ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا ) ) (50) .
الثاني: ويحتمل أنه رده لأن هذه القلادة لا يعلم مقدار ذهبها أهو مثل وزن جميع الثمن أو أقل من ذلك أو أكثر ، ومن شرط صحة البيع التحقق من أن الثمن أكثر من الذهب (51) .
أجيب:
بأن ما ذكر من احتمالات غير وارد لثلاثة أمور:
1. (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الجواب من غير سؤال فدل على استواءالحالين ) ) (52) .
2.أنه جاء في رواية أبي داود أن المشتري قال: (( إنما أردت الحجارة ) )فدل على أن الذهب يسير دخل على وجه التبع (53) .
3.أن فضالة بن عبيد رضي الله عنه وهو صاحب القصة قد حمل النهي على العموم ، فقد سئل عن شراء قلادة فيها ذهب وورق وجوهر ، فقال: انزع ذهبها فاجعله في كفة ، واجعل ذهبك في كفة ، ثم لا تأخذه إلا مثلًا بمثل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يأخذن إلا مثلًا بمثل ) ) (54) .
الدليل الثاني: