وعليه أن يستعين بالله تعالى ويتضرَّع إليه بالدعاء ليهديه إلى الحقِّ , فإنه هو الهادي سبحانه إلى سواء السبيل , ففي الحديث القدسي: (( يا عبادي: كلُّكم ضالٌ إلا من هديته , فاستهدوني أهدكم ) ) [29] .
وليدعُ بدعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم الذي كان يستفتح به صلاته إذا قام من الليل: (( اللهُمَّ رَبَّ جَبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ , فاطرَ السمواتِ والأرض ِ, عالِمَ الغيبِ والشهادةِ , أنتَ تحكمُ بينَ عبادكَ فيما كانوا فيه يختلفونَ , اهْدِنِي لِمَا اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنكَ , إنكَ تهدي مَن تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ ) ) [30] .
وبين يديك أخي المسلم: مختارات فيما يتعلَّق بالأسهم والبنوك .. من فتاوى علمائنا الأجلاَّء: سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ , وأصحاب السماحة والفضيلة رئيس وأعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء , ومن قرارات المجمع الفقه الإسلامي , وهيئة كبار العلماء , ومن فتاوى سماحة شيخنا عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، وسماحة شيخنا محمد الصالح العثيمين, وفضيلة شيخنا صالح بن فوزان الفوزان , رحم الله المتوفَّى منهم, ووفق الحيَّ لما يُحبه ويرضاه , آمين
ويسرُّني أن أشكر مشايخي الفضلاء: سماحة الشيخ الوالد صالح بن محمد اللحيدان , وفضيلة الوالد الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر, والوالد الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي, أشكرهم على قراءتهم لأصل هذه الرسالة والتقديم لها , وقد أضفتُ عليها كثيرًا من الفتاوى مما وجدته لمن تقدَّم ذكرهم , رزقهم الله الفردوس الأعلى من الجنة , وكذلك أشكر شيخي الجليل الوالد صالح بن فوزان الفوزان, على قراءته لأصل هذه الرسالة , كما أشكر الشيخ الفاضل عبدالله بن محمد الحمود, على نصحه وتوجيهه, جعل الله منْزلهما ووالديهما الفردوس الأعلى من الجنة, ووالدينا وأهلينا وجميع المسلمين , إنَّ ربنا لسميع الدعاء .
وإلى الفتاوى نفعني الله وإياكم والمسلمين بها , وجعلها حُجَّة لنا لا علينا.
بماذا يأخذ المسلم في المسائل الخلافية: الفتوى رقم 2171 في 28/10/1398هـ .
السؤال: ما الحكم في المسائل الخلافية، هل نتبع القول الأرجح والدليل الأقوى، أو نتبع الأسهل والأيسر ، انطلاقًا من مبدأ التيسير لا التعسير ؟
الجواب: إذا كان في المسألة دليلٌ شرعي بالتخيير كان المكلَّف في سعة فله أن يختار الأيسر، انطلاقًا من مبدأ التيسير في الشريعة مثل الخصال الثلاث في كفارة اليمين: الإطعام والكسوة والعتق ، لِما ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه: (( ما خُيِّرَ بين أمرينِ إلا اختارَ أيسَرَهُمَا ما لَم يكن إثْمًا , فإن كان إثْمًا كان أبعدَ الناس منه ) ) [31] .
أمَّا إن كانت مجرَّد أقوالٍ لمجتهدينَ فعليه أن يتَّبع القول الذي يشهدُ له الدليل أو الأرجح دليلًا ، إن كان عنده معرفة بالأدلة صحة ودلالة ، وإن كان لا خبرة له بذلك فعليه أن يسأل أهل العلم الموثوق بهم ، لقوله تعالى: (( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (الأنبياء:7) .
فإن اختلفوا عليه أخذ بالأحوط له في دينه ، وليس له أن يتبع الأسهل من أقوال العلماء فيعمل به ، فإنَّ تتبع الرخص لا يجوز .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب الرئيس الرئيس
عبدالله بن قعود عبدالله بن غديان عبدالرزاق عفيفي عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
التحذير من الفتاوى التي تُجيز التعامل مع البنوك ، والتي تنشرها بعض الصحف: ( فتاوى البلد الحرام ص 677-681 ) .
من عبد العزيز بن عبدالله بن باز إلى من يراه من إخواننا المسلمين، وفقني الله وإياهم سلوك صراطه المستقيم، وجنَّبنا جميعًا طريق المغضوب عليهم والضالين، آمين، سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته .
أما بعد: فقد كثرت الدِّعايات للمساهمة في البنوك الرِّبوية في الصحف المحلية والأجنبية، وإغراق الناس بإيداع أموالهم فيها مقابل فوائد ربوية صريحة معلنة، كما تقوم بعض الصحف بنشر فتاوى لبعض الناس تُجيز التعامل مع البنوك الربوية بفوائد محدَّدة ، وهذا أمرٌ خطير، لأنَّ فيه معصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومخالفة لأمره، والله سبحانه وتعالى يقول: (( َفلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ).
ومن المعلوم من الدين بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة: أنَّ الفوائد المعيَّنة التي يأخذها أربابُ الأموال مُقابل مُساهمتهم، أو إيداعهم في البنوك الرِّبوية حرامٌ سُحت، وهي من الرِّبا الذي حرَّمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن كبائر الذنوب ، ومما يَمحقُ البركة ، ويُغضب الرَّب عز وجل ، ويُسبِّبُ عدم قبول العمل .
وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (( إنَّ الله طيِّبٌ لا يَقبلُ إلاَّ طيبًا ، وإنَّ الله أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ به المرسلينَ ، فقال: (( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) ) (المؤمنون:51) , وقال: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ) (البقرة:172) .
ثمَّ ذكرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفرَ، أشعثَ أغبرَ ، يَمُدُّ يديه إلى السماء ، يا ربِّ ! يا ربِّ ! ومَطعمُهُ حَرَامٌ ، ومَشْرَبُه حرامٌ ، ومَلْبَسُه حرامٌ ، وغُذِِّيَ بالحَرَام ، فأَنَّى يُستجابُ لذلكَ )) رواه مسلم [32] .
وليعلم كل مسلم: أنه مسئول أمام ربه عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، ففي الحديث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا تزولُ قَدَمَاعبد يوم القيامة حتى يُسأل عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه ) ) [33] .
واعلم يا عبدَ الله - وفقنا الله وإياك لما فيه رضاه - أن الرِّبا كبيرة من كبائر الذنوب التي جاء تحريمها مغلَّظًا في كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، بجميع أشكاله، وأنواعه ، ومسمَّياته، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) (آل عمران:130) .
وقال تعالى: (( وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ) ) (الروم:39) .
وقال تعالى: (( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ) (البقرة:275) .
وقال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) )فما أعظمَ جريمةَ من حاربَ الله ورسوله ، نسأل الله العافية من ذلك .