فهرس الكتاب

الصفحة 726 من 1226

وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أُعيذُكَ بالله يا كعبُ بنَ عُجْرَةَ من أُمراءَ يكونون من بعدي , فَمَن غَشِيَ أبوابَهم فصدَّقهم في كَذِبهم , وأعانهم على ظلمهم , فليس مِنِّي ولستُ منه , ولا يَرِدُ عليَّ الحوضَ , ومن غَشِيَ أبوابهم أو لم يَغشَ فلم يُصدِّقهم في كذبهم , ولم يُعنهم على ظلمهم , فهو مِنِّي وأنا منه , وسَيَرِدُ عليَّ الحوضَ , يا كعبُ بنَ عُجرةَ: الصلاةُ برهانٌ , والصومُ جُنَّةٌ حصينةٌ , والصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النارَ , يا كعبُ بنَ عجرة: إنه لا يَربُو لَحمٌ نبَتَ من سُحْتٍ إلاَّ كانت النارُ أولى به ) ) [11] .

وإنَّ الناظر بعين البصيرة إلى واقع المسلمين في العالَم اليوم:

يجد لَهَفهم الشديد إلى كلِّ ما تطرحه البنوك أو الشركات من أسهم ومعاملات , فالكثير يُساهم ويتعامل بدون استفتاء من أهل العلم المُعتبرين [12] .

والقليل يستفتي ولكن ممَّن التبس عليه الحلال من الحرام من طلبة العلم , بل يقصد بعضُهم فلان المتتبِّع للرخص ؟ أي: المتتبِّع لأهون أقوال العلماء في مسائل الخلاف ... وما عَلِم المسكينُ أنَّ هذا دين , فلينظر المسلمُ ممن يأخذ دينه , ومَن يجعله بينه وبين ربِّه تبارك وتعالى .

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ( وذَكَرَ أبو عمر عن مالك: أخبرني رجلٌ أنه دَخَلَ على ربيعة فوجده يبكي , فقال: ما يُبكيك ؟ أمصيبةٌ دخلت عليك ؟ وارتاعَ لبكائه , فقال: لا , ولكن استُفتيَ مَنْ لا عِلْمَ له , وظهرَ في الإسلام أمرٌ عظيم , قال ربيعة: ولَبعض من يُفتى ههنا أحقُّ بالحبس من السُّرَّاق ) [13] .

والبعضُ يعتمدُ على فتاوى من يُسمَّون بموظَّفي اللجان الشرعية عند البنوك في العالم الإسلامي , ومِمَّن نَصَبَ نفسه مفتيًا لها ولأسهمها ومعاملاتها , مع مُعارضة الكثير منها لفتاوى العلماء الْمُعتبرين .

فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه:

الأول: أصحاب البنوك , يقولون: لولا أنَّا على صواب لأنكر علينا موظَّفو هذه اللجان الشرعية , وكيف لا نكون مصيبين وهم يأكلون من أموالنا , ويعملون لدينا ؟! .

الثاني: العوام وضعاف النفوس , فإنهم يقولون: لا بأس بالمساهمة والتعامل مع هذه البنوك , فإنَّ موظَّفي هذه اللجان الشرعية لا يبرحون عندهم .

والثالث: موظفو اللجان الشرعية حيث حملوا أوزارهم وأوزارًا مع أوزارهم .

قال شيخنا صالح بن فوزان الفوزان وفقه الله تعالى: (والله أنا لا أعرف هذه الهيئات الشرعية , وأخشى أنها مسألة حيلة فقط , أو أنهم يختصون ناسًا يوافقونهم على رغبتهم , يُحضِّرون ناسًا باسم طلبة علم على رغبتهم , يُوافقونهم ويُعطونهم شهادة شرعية , أنا أخشى من هذا , إذا كانوا صادقين أنهم يتحرَّون الشرع , لماذا لا يسألون اللجنة الدائمة , أو هيئة كبار العلماء , إذا كانوا سيحترزون من الحرام , أم إنهم يُكوِّنون لجنة من عندهم , لجنة هم الذين يشكلونها على رغبتهم , فأنا ما أثق من هذا العمل , ولا أرى الاعتماد عليه) [14] .

ويبدوا أنَّ انصراف المسلمين إلى استفتاء أهل التخفيف والترخيص , وانصرافهم عن أهل العلم المُعتبرين , ممَّن منعتهم هيبة الدِّين عن التساهل بالفتاوى الشرعية , كان أمرًا مستشريًا في أمتنا الإسلامية منذ أَمَدٍ بعيد [15] .

وفي حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( جئتَ تسألني عن البرِّ والإثم, فقال: نعم , فجَمَعَ أناملَهُ فجعل ينكتُ بهنَّ في صدري ويقول: يا وابصة , استفتِ قلبكَ , واستفتِ نفسكَ - ثلاث مرات - الْبِرُّ ما اطمأنت إليه النفسُ , والإثمُ ما حاكَ في النفس , وتردَّد في الصدر , وإنْ أفتاكَ الناسُ وأفتوك ) ) [16] .

وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تَزُولُ قَدَما عبدٍ يومَ القيامة حتَّى يُسأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فيمَا أَفنَاهُ , وعن عِلْمِهِ فيما فَعَلَ , وعَنْ مَالِهِ مِنْ أَينَ اكتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ , وعَنْ جِسْمِهِ فيمَا أَبلاهُ ) ) [17] .

قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى:

( بابُ من أطاعَ العلماءَ والأمراءَ في تحريم ما أحلَّ الله , أو تحليل ما حرَّم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يُوشكُ أن تَنزلَ عليكم حجارةٌ من السماء ، أقولُ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وتقولونَ: قالَ أبو بكرٍ وعمر ؟! [18] .

وقال الإمام أحمد بن حنبل: عجبتُ لقومٍ عرَفوا الإسنادَ وصحَّته ، يذهبون إلى رأي سفيان ، والله تعالى يقول: (( َفلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (النور:63) .

أتدري ما الفتنة ؟ الفتنةُ: الشرك ، لعلَّه إذا ردَّ بعض قوله , أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيهلِك [19] .

وعن عديِّ بن حاتم رضي الله عنه: أنه سمعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقرأُ هذه الآية: (( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ) ) (التوبة:31) .

فقلتُ له: إنا لسنا نعبدهم , قال: (( أليس يُحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه , ويُحلُّون ما حرَّم الله فتحلُّونه , فقلتُ: بلى , قال: فتلك عبادتهم ) )رواه أحمد والترمذي وحسَّنه [20] ) [21] .

إذًا: فيُخشى على من اتَّبعَ عالِمًا مجتهدًا على خطئه في تحليل الْمُساهمة في ذلك البنك أو تلك الشركة , وهو يعلمُ أنَّ هذا العالِمُ مُخطئ: أن يكون له نصيبٌ من الشرك:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( ولكن من علمَ أنَّ هذا أخطأ فيما جاء به الرسول الله صلى الله عليه وسلم , ثمَّ اتبعه على خطئه , وعدلَ عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا له نصيبٌ من هذا الشرك الذي ذمَّه الله , لا سيَّما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد , مع علمه أنه مخالفٌ للرسول صلى الله عليه وسلم , فهذا شركٌ يستحقُّ صاحبه العقوبة عليه , ولهذا اتفق العلماء: على أنه إذا عرف الحقَّ لا يجوز له تقليد أحد في خلافه ..) [22] .

وقال الوزير ابن هبيرة: ( من مكايد الشيطان أنه يُقيم أوثانًا في المعنى تُعبد من دون الله , مثل أن يتبين له الحق , فيقول: هذا ليس بمذهبنا, تقليدًا لمعظَّم عنده , قد قدَّمه على الحق) [23] .

وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: (هل تعرفُ مَا يَهْدِمُ الإسلامَ: قال: قلتُ: لا, قالَ: يَهْدِمُهُ زلَّةُ العالِم , وَجِدَالُ المنافقِ بالكتاب, وحُكْمُ الأئمةِ المُضِلِّين) [24] .

وسُئل تميمٌ الداريِّ رضي الله عنه: (ما زلَّةُ عالِم ؟ قال: العالِمُ يَزِلُّ بالناسِ فيُؤخذُ به , فعسَى أن يَتوبَ منه العالِمُ , والناسُ يأخذونَ به) [25] .

وقال سليمان التيمي ت143هـ رحمه الله تعالى: (لو أخذتَ برخصة كلِّ عالِمٍ , أو زلَّة كلِّ عالِمٍ, اجتمعَ فيكَ الشرَّ كلَّه) [26] .

قال ابن عبد البر: (هذا إجماعٌ لا أعلمُ فيه خلافًا) [27] .

وعلى طالب الحقِّ أن يبتعد عن الذنوب ( فإنَّ الطاعة نورٌ , والمعصيةَ ظلمةٌ , وكلَّما قويت الظلمة ازدادت حيرتُه , حتَّى يقعَ في البدع والضلالات, والأمور المُهلِكة وهو لا يشعر , كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده ) [28] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت